الثنائي الغريب: الدليل الساخر لمسرحية ترامب ونتنياهو

1️⃣الجزء الأول 🔴الثنائي الغريب: الدليل الساخر لمسرحية ترامب ونتنياهو
لنكن صريحين: من الصعب العثور على شراكة سياسية أكثر مثالية من حيث السخرية من تلك التي تجمع بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. إنها صداقة لم تُصنع في لهيب الودّ الصادق، بل في فرن الحسابات الباردة والمصالح الذاتية. عروضهما العلنية هي دروس في مسرح السياسة، رقصة مدروسة بعناية يؤدي فيها ممثلان محنّكان دور الحليفين الثابتين، بينما يدفعان في الخفاء بأجندة راديكالية مشتركة تخدم طموحاتهما الشخصية والسياسية فوق أي اعتبار آخر.
لقد كُتب سيناريو هذه المسرحية قبل زمن طويل من السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لكن الهجمات المروّعة التي شنّتها حماس وفّرت لهما مسرحاً جديداً بكل ما فيه من دم ومأساة، ليقدّما عليه “أعظم عروضهما” بحيوية متجددة. علاقتهما ليست صداقة بل صفقة، ونتائجها على أي مظهر لسياسة خارجية إنسانية أو متماسكة كارثية.
الرواية: الرجل القويّ ومعقله
الرواية التي يتبادلانها علناً بسيطة وصاخبة، صُممت خصيصاً لجمهورهما الداخلي. يصوّر ترامب نفسه على أنه الرئيس الوحيد في جيله الذي يملك “الصلابة” الكافية لدعم إسرائيل دون قيد أو شرط، فيما يصوّر نتنياهو كجنراله الشجاع على خطوط “حرب الحضارات”. في المقابل، يمنح نتنياهو ترامب لقب “كورش الحديث” — المنقذ الأممي الحامي لشعب الله المختار. رواية تتجاهل، بانتقائية مدهشة، حقيقة أن “صفقة القرن” التي طرحها ترامب كانت خيالاً أحادي الجانب رفضه الفلسطينيون ومعظم دول العالم فوراً.
خطابهما هو حلقة مغلقة من مفردات القوة والإرهاب والنصر الكامل. فبعد السابع من أكتوبر، لم يكتفِ ترامب بإدانة حماس، بل وصف حزب الله بأنه “ذكي جداً”، وهاجم نتنياهو لأنه كان “غير مستعد”، في حركة أتاحت له أن يبدو صارماً، وأن ينتقد “حليفه”، وأن يوحي بأنه وحده كان قادراً على منع ما حدث. أما نتنياهو، فقد استخدم شبح ترامب كعصا سياسية يضرب بها أي انتقاد دولي، مصوّراً كل ضغط خارجي على أنه خيانة لذلك الدعم “غير المشروط” الذي لم يقدّمه له سوى ترامب.
المناورات: استثمار الأزمة
تحت الشعارات العلنية للتضامن، تظهر المناورات التي تكشف السخرية الحقيقية. شريان حياة نتنياهو:
كان نتنياهو، قبل الحرب، يغرق في قضايا فساد واحتجاجات عارمة ضد خطته لإضعاف القضاء. ثم جاءت حرب غزة لتكون زر “إعادة التشغيل” السياسي. أتاحت له الأزمة تشكيل حكومة طوارئ، وتهميش منتقديه، والعودة لتقمّص شخصية “سيد الأمن”. شريان حياته هو وهم عودة ترامب إلى البيت الأبيض، إذ يوحي لأنصاره ولواشنطن بأن إدارة أكثر “تعاطفاً” في الطريق — إدارة ستمنحه الضوء الأخضر لسياساته الأكثر تطرفاً دون تلك “القيود الأخلاقية المزعجة” القادمة من البيت الأبيض الحالي. إسفين ترامب:
أما ترامب، فكانت حرب نتنياهو هدية انتخابية. أتاحت له مهاجمة إدارة بايدن من جهتين: اتهامها باللين أمام إيران (الوحش الذي صنعاه معاً) وفي الوقت ذاته تحميلها مسؤولية انفجار الحرب في غزة، مدّعياً أن “صلابته الأسطورية” كانت لتمنعها. يستخدم الملف لتفكيك التحالف الديمقراطي، دافعاً بإسفين بين الجناح الوسطي والتقدمي. وعندما قال مؤخراً إن إسرائيل “تخسر الحرب الإعلامية” ويجب أن “تنهي عمليتها”، لم يكن ذلك تعاطفاً مع المدنيين، بل قراءة باردة لمشهد الصورة، وحرصاً على وضعه الانتخابي لا غير.
سيناريو السابع من أكتوبر قيد التنفيذ
بعد الهجمات، باتت خطتهما المنسقة واضحة كالشمس: مسرحية الدعم غير المتراخي:
سارع ترامب إلى تبنّي رواية نتنياهو التي تصوّر الصراع كمعركة بين “الحضارة والهمجية”، متجاهلاً أي سياق إنساني أو تاريخي. وبهذا وفر لنتنياهو الغطاء السياسي لشنّ حملة عسكرية مدمّرة بلا حدود. هوس إيران:
كلاهما حاول بلا كلل ربط هجمات السابع من أكتوبر بإيران، رغم غياب الأدلة الواضحة. لماذا؟ لأن ذلك يخدم أسطورتهما المشتركة: فهما منذ سنوات “النبيّان التوأمان” لحملة صليبية ضد طهران. هذا الربط يبرر المواجهة الدائمة ويقوّض أي فرصة للدبلوماسية الأميركية مع إيران، التي يكرهانها معاً.فبينما كانوا الايرانيين منشغلين بالمحادثات مع الأمريكان قصفت اسرائيل إيران وقتلوا عدد كبير من القادة حتى ينفذون خطة الإنقلاب و اضافة الى ذلك وجه حتى نتنياهو خطابه للشعب الايراني و تشجيعهم على الانقلاب علنا و صراحتا . تقويض “النظام الدولي الليبرالي”:
تآلفهما هو اعتداء مباشر على فكرة التعددية ما بعد الحرب العالمية الثانية. ترامب ينسحب من المؤسسات الدولية ويسخر من المساعدات، ونتنياهو يتحدّى قرارات الأمم المتحدة ويواصل التوسع الاستيطاني. معاً، يقدمان نموذجاً لسياسة القوة المجردة، حيث القانون الدولي نكتة، والقوة وحدها فضيلة.
2️⃣الجزء الثاني
كوميديا وقف إطلاق النار: الفصل الثاني من العرض
حين أعلن ترامب مؤخراً عن ما سمّاه “اتفاقية لوقف إطلاق النار في غزة”، لم يكن ذلك دبلوماسية، بل إعادة تسويق
نسخة جديدة من “صفقة القرن” الفاشلة، متخفية في ثوب إنساني.
في الكواليس، كانت المسرحية تتكرر:
الولايات المتحدة تتظاهر بالابتعاد بينما تنفذ إسرائيل غاراتها — فمثلا حتى اتفاق وقف اطلاق في لبنان قد خرقوه اكثر من الاف المرات و لليوم لا يزالون يقتلون مجاهدين حزب الله مع عوائلهم و اطفالهم . وأخرى أكثر فظاعة عندما استهدفت اجتماعاً لقيادات حماس في الدوحة بعد أيام فقط من اجتماعات تنسيق مع الأميركيين. فريق ترامب يروّج لغة “السلام” وحماية المدنيين، بينما يصوغ أي هدنة محتملة كـ“نصر أميركي–إسرائيلي”. خلال أيام، تحولت واشنطن من لغة التهديد إلى لغة المصافحة — فنّ المصالحة بعد القصف.
وقد شهدنا هذا المشهد من قبل: أثناء أزمة إيران، لعب ترامب ونتنياهو الدور نفسه. بينما كانت طهران تخوض مفاوضات مع الغرب بشأن برنامجها النووي، كانت إسرائيل تنفّذ ضربات سرّية، فيما كان ترامب يطلق تهديداته عبر «تروث سوشال». حتى جاءت الضربة الأميركية على منشأة نووية، وبعدها بيومين تحولت واشنطن فجأة إلى “حمامة سلام” تدعو للتفاوض.
إنها كابوكي الفوضى:
ضربة أولاً، ثم موعظة. صقرٌ في الصباح، وحمامة في المساء. طقس دموي لتبديل الأدوار — نتنياهو المنفّذ، وترامب المصلح — يضمن بقاء العالم مأخوذاً بالمشهد.
اتفاقية “السلام” كمشهد تمثيلي
ما يُروّج له اليوم كـ“اتفاقية لوقف إطلاق النار” ليس دبلوماسية بل أداء. يقدمها ترامب كدليل على أنه وحده قادر على إنهاء “الحروب الأبدية”، فيما يلعب نتنياهو الدور المعاكس: التظاهر بالانفتاح على التفاوض، فقط لشراء الوقت ومواصلة الحرب تحت غطاء “عملية السلام”.
إنها ببساطة صفقة القرن – الجزء الثاني: نسخة مكررة من الوهم القديم، يؤدي فيها البطلان الدورين نفسيهما — “المنقذَين” اللذين يبيعان الخراب باسم السلام.
ثمن العرض
ثمن هذا العرض المزدوج يقاس بالدماء وبانهيار الثقة في السياسة الدولية. لقد دفعت علاقتهما الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى حافة اللاعودة، وقوّضت أي مسار دبلوماسي حقيقي، وحولت مفردة “السلام” إلى سلعة في بازار السياسة الانتخابية.
إن شراكتهما تزدهر على الفوضى، لا على الحلول. كلما تساقطت القنابل، ارتفعت شعبيتهما. كلما مات الأطفال، انتعشت حملاتهما. ليست زعامة، بل إدمان على الضوء. فـ“وقف إطلاق النار” الذي يروّجان له ليس نهاية للحرب، بل استراحة بين فصلين من المسرحية. ستنزل الستارة على غزة، لكن العرض — هذه المهزلة العالمية من النفاق والقوة — سيستمر.