قمة شرم الشيخ: حين تتحول الدبلوماسية إلى عرض مسرحي وتُغتال العدالة

في أكتوبر 2025، استضافت مدينة شرم الشيخ المصرية قمة دولية رفيعة المستوى، ترأسها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد رُوّج لها باعتبارها اختراقاً تاريخياً نحو السلام، حيث اجتمع أكثر من عشرين زعيماً دولياً للإشراف على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. لكن خلف الأضواء والكاميرات، كشفت القمة عن تناقضات صارخة في الدبلوماسية المعاصرة، حيث يُستبدل الأداء بالمساءلة، ويُعاد تغليف السلام دون عدالة.
أطراف غائبة واتفاق بلا شرعية
رغم توقيع الاتفاق من قبل ممثلين عن إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقيادة حركة حماس لم يحضروا القمة شخصياً. وقد غابت حماس، القوة السياسية والعسكرية الأبرز في غزة، عن المنصة، رغم تقارير عن مشاركتها غير المباشرة عبر قنوات خلفية. هذا الغياب أثار تساؤلات جدية حول شرعية الاتفاق وقدرته على الصمود. فهل يُمكن صناعة السلام دون حضور الأطراف الأكثر تضرراً؟
ترامب في دائرة الضوء: استعراض سياسي أم استفزاز؟
ألقى الرئيس ترامب ثلاث خطابات رئيسية خلال القمة والفعاليات المحيطة بها، بما في ذلك خطاب في الكنيست الإسرائيلي. وقد اتسمت تصريحاته بمزيج من التفاخر الذاتي، والمبالغة الجيوسياسية، والإشادة المثيرة للجدل. فقد امتدح نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب، ودعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى العفو عنه في قضايا فساد داخلية.
وفي خطابه خلال القمة، شجّع ترامب الدول العربية على الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع المعروفة باسم “اتفاقيات أبراهام”، رغم رفض شعبي واسع لها. كما هنّأ نتنياهو على “اختيار النصر” بدلاً من استمرار الحرب، قائلاً:
“لو استمررت ثلاث أو أربع سنوات أخرى – تقاتل، تقاتل، تقاتل – كانت الأمور ستزداد سوءاً… بيبي، سيُذكر هذا القرار أكثر من استمرارك في القتل، القتل، القتل.” كما روى كيف كان نتنياهو يطلب منه أسلحة متطورة:
“نحن نصنع أفضل الأسلحة في العالم… وبيبي كان يتصل بي كثيراً – ‘هل يمكنك أن ترسل لي هذا السلاح أو ذاك؟’ بعضها لم أسمع به من قبل.” وقد استخدمت إسرائيل هذه الأسلحة الأمريكية لتحويل معظم غزة إلى أنقاض، وشنّ هجمات على دول أخرى في المنطقة. وقدّمت واشنطن أكثر من 21 مليار دولار كمساعدات عسكرية لحليفتها الإقليمية خلال العامين الماضيين.
حرب أمريكية التنفيذ، إسرائيلية النيران
رغم أن الحرب على غزة نُفذت بأيدي إسرائيلية، فإن بصمات الاستراتيجية الأمريكية كانت واضحة. فقد زوّدت الولايات المتحدة إسرائيل بالسلاح والدعم الاستخباراتي والغطاء السياسي، بما في ذلك استخدام الفيتو في مجلس الأمن لمنع قرارات وقف إطلاق النار. أما خطة ترامب للسلام، التي كُشف عنها في وقت سابق من العام، فقد طالبت بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وركزت على ضمانات أمنية لإسرائيل، متجاهلة تماماً السيادة الفلسطينية.
خطاب إنساني فوق أنقاض الواقع
قال ترامب في خطابه: “يوم جديد وجميل يشرق، والآن يبدأ البناء من جديد” مشيداً بالقادة الإقليميين الذين ساهموا في تثبيت الهدنة. لكن هذا التفاؤل اصطدم بواقع مأساوي: غزة مدمّرة، سكانها مشرّدون، ومستقبلها غامض.
الخطاب الإنساني الذي تكرر في القمة – “استعادة الكرامة”، “إعادة بناء غزة”، “ضمان الاستقرار” – بدا أجوفاً في ظل التهجير الجماعي والجوع والانهيار التام للبنية التحتية. ورغم حضور وكالات الأمم المتحدة، فإن دورها اقتصر على الجانب اللوجستي، بينما ظل القرار السياسي بيد من ساهموا في إشعال الحرب أو تجاهلوها.
رفض شعبي واسع: المسرحية مكشوفة
في أنحاء العالم العربي، تراوحت ردود الفعل على القمة بين الشك والسخرية والرفض الصريح. فقد رأى كثيرون أنها محاولة استعراضية لتلميع حرب أودت بحياة آلاف المدنيين. القضية الفلسطينية، التي طالما استُخدمت كورقة تفاوض في السياسات الإقليمية، تحوّلت مجدداً إلى خلفية لتمثيليات دولية.
من العناوين إلى الأنقاض: ثمن الاستعراض
ربما أنتجت قمة شرم الشيخ عناوين صحفية، لكنها لم تُنتج عدالة. لقد كشفت عن اتساع الفجوة بين الأداء الدبلوماسي والواقع المعيشي. وبينما تصافح القادة وأعلنوا النصر، عاد سكان غزة إلى الركام، متذكّرين أن السلام بلا عدالة ليس سوى شكل آخر من أشكال العنف. **