أبو شَبَاب ومرتزقة غزة: جيش الظل الإسرائيلي داخل القطاع

في قلب المأساة المستمرة في غزة، برزت ظاهرة “أبو شباب” والمرتزقة كواحدة من أكثر الملفات غموضًا وإثارة للجدل. هؤلاء ليسوا مجرد شبّان عاديين انخرطوا في الفوضى، بل مجموعات منظّمة تعمل وفق أجندات واضحة، مدعومة بالمال والسلاح والتوجيه الاستخباري الإسرائيلي. منذ بداية العدوان الإسرائيلي في عام 2023، أخذت تقارير متعدّدة تتحدث عن “عصابات أبو شباب” أو ما يُعرف محليًّا بـ«المرتزقة الداخليين»، الذين تحوّلوا إلى أداةٍ خطيرة بيد الاحتلال. فوفق تقريرٍ نشرته صحيفة The Grayzone الأميركية، فإنّ “إسرائيل جنّدت مجموعات صغيرة من شباب غزة غير المرتبطين بحماس أو الفصائل المقاومة، لتعمل كمخبرين وعناصر ميدانية تُنفّذ مهامًا قذرة داخل القطاع”.
أصل هؤلاء المرتزقة ومن يمولهم تعود جذور بعض هؤلاء إلى شبكات قديمة من المهرّبين والعصابات المحلية التي استفادت من الفوضى الاقتصادية، فيما تمّ تجنيد آخرين عبر وسطاء تابعين للسلطة الفلسطينية أو مؤسسات أمنية مرتبطة بالتنسيق الأمني مع إسرائيل. وقد كشفت قناة الميادين أنّ “أموالًا مصدرها أجهزة استخبارات غربية، بينها الـCIA والبريطانية MI6، تمّ ضخها عبر جمعيات وهمية في الضفة الغربية لتمويل هذه المجموعات”. أما التمويل المباشر، فكان يأتي على شكل “مساعدات إنسانية” تُسلَّم لهم لتوزيعها، لكن جزءًا كبيرًا منها كان يُباع في السوق السوداء بأسعار خيالية، ما رفع أسعار المواد الأساسية كالطحين والوقود والدواء داخل القطاع المحاصر. “لقد تحوّل بعض هؤلاء إلى أمراء حرب يبيعون المعونات ويحتكرون المواد الغذائية”، بحسب شهادة أحد مسؤولي الأونروا السابقين لموقع Middle East Eye.
دورهم أثناء الحرب بين عامي 2023 و2025، لعبت مجموعات أبو شباب دورًا تخريبيًّا ضد المقاومة. فقد رصدت تقارير أنّهم “قدّموا إحداثيات مواقع للمقاومين تمّ استهدافها بطائرات إسرائيلية”. وفي مناطق مثل النصيرات وخان يونس، تورّطوا في مهاجمة المدنيين الذين حاولوا حماية مخازن الإغاثة أو منع سرقة الشاحنات. بل أكثر من ذلك، أفاد ناشطون بأن “بعض هذه العصابات كانت تُستخدم لخلق الفوضى الداخلية وترويج الإشاعات ضد حماس”، كاتهامها بسرقة المعونات، بينما الحقيقة أنّ تلك المساعدات كانت تُختطف من قِبل هؤلاء أنفسهم قبل أن تصل إلى مستحقّيها.
الأسلحة التي استخدموها حصلت هذه المجموعات على أسلحة خفيفة ومتوسطة، بينها بنادقM16 أميركية الصنع وقاذفات RPG تمّ تهريبها عبر الأنفاق قبل عام 2023. وقد نشرت صحيفة Haaretz تقريرًا أكّد أنّ “الجيش الإسرائيلي كان يُسلّم بعض هذه الأسلحة لعناصر محددين ليستخدموها ضد المقاومة عند الحاجة”. في بعض الحالات، ظهرت صور تُظهر عناصر من أبو شباب يرتدون زيًّا عسكريًّا إسرائيليًّا أثناء اقتحامهم مناطق جنوب القطاع، ما يؤكّد أنّهم كانوا جزءًا من عمليات ميدانية منسّقة. بعد وقف إطلاق النار السؤال المطروح الآن: ما مصير هؤلاء بعد وقف إطلاق النار؟ تشير تقارير إلى أنّ إسرائيل لن تتركهم في غزة، خوفًا من الانتقام الشعبي. بعضهم نُقل سرًّا إلى مناطق محمية داخل معسكرات إسرائيلية في النقب، فيما يجري تجهيز آخرين للعيش في الضفة الغربية أو داخل مستوطنات قريبة من السياج الأمني. لكنّ هناك خشية حقيقية من أن يُعاد استخدام هؤلاء في مرحلة ما بعد الحرب، إمّا كقوة “أمن داخلي” في حال فرضت إسرائيل إدارة مدنية جديدة، أو كأداة لقمع أيّ مقاومة مستقبلية تحت غطاء “إعادة الإعمار”.
التعذيب والجرائم لا يمكن تجاهل شهادات مؤلمة عن ممارسات هذه المجموعات ضد أبناء جلدتهم. فقد وثّقت منظمات محلية أنّ عناصر من أبو شباب “عذّبوا عشرات الشبان في مخازن مهجورة بدعوى تعاونهم مع المقاومة”، مستخدمين أساليب وحشية كالضرب بالكهرباء أو تعليق الضحايا من الأرجل. تقول والدة أحد الضحايا في شهادة مصوّرة: “ابني لم يكن مع حماس، لكنهم أخذوه ليلاً وقالوا إنه يخفي سلاحًا. وجدناه بعد أيام مضروبًا ومقتولًا”. هذه الجرائم لم تُفتح ملفاتها بعد، لكنها تشكّل وصمة عار في سجلّ كل من موّل أو حمى هؤلاء.
خاتمة إنّ قصة أبو شباب والمرتزقة ليست مجرّد حكاية عن فوضى داخلية، بل مثال على كيف تُستخدم أدوات الحرب الناعمة والخشنة لتفكيك المجتمع من الداخل. إسرائيل لم تكتفِ بالقصف والتجويع، بل زرعت أدواتها داخل غزة لتمزيقها من الداخل، مستفيدةً من الفقر والانقسام واليأس. ومع أنّ الحرب قد تتوقف رسميًّا، إلا أنّ خطر هؤلاء لم ينتهِ بعد. فوجودهم يعني أنّ الاحتلال ما زال يمدّ يده داخل النسيج الغزّي ليحرّك خيوطه كما يشاء.