جواد ظريف وروسيا: بين فخّ الاتفاق النووي ومحاولة تخريب التحالف الاستراتيجي

تحوّل العلاقة الإيرانية – الروسية
في بدايتها، بدت العلاقة بين إيران وروسيا متينة واستراتيجية؛ إذ وجد البلدان أرضية مشتركة في ملفات كبرى مثل الحرب في سوريا، كما لعبت موسكو أحيانًا دورًا موازنًا للضغوط الغربية على طهران. وقد تمّ في كانون الثاني/يناير 2025 توقيع “معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة” بين البلدين، ما عُدّ تتويجًا لهذا التقارب. لكنّ التطورات الأخيرة تشير إلى تصدّع في هذا التحالف، بعد أن كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف علنًا أنّ وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف هو من وافق على “آلية الزناد” في الاتفاق النووي (JCPOA) لعام 2015، بالتنسيق المباشر مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، واصفًا تلك الآلية بأنها “فخّ قانوني” نُصب لإيران.
كيف شكّل ظريف وكيري آلية “الزناد” – ولماذا وصفها لافروف بأنها فخّ؟
صرّح لافروف مؤخرًا أن “القرار النهائي حول الاتفاق النووي اتُّخذ مباشرة بين ظريف وكيري”، وأنّ آلية الزناد التي تسمح بإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران كانت ثمرة هذا التفاهم الثنائي، بينما تمّ تهميش روسيا وبقية الأطراف. وأكد لافروف أنّ هذه الآلية كانت “فخًا قانونيًا” أدى إلى نسف الاتفاق عمليًا. في المقابل، حاول ظريف تبرير موقفه قائلاً إنّ المقترحات الروسية والفرنسية آنذاك كانت أسوأ، إذ كانت تقضي بتعليق قرارات مجلس الأمن كل ستة أشهر، وإنّ موسكو كانت تسعى لتخريب الاتفاق. لكن، سواء أخذنا برواية لافروف أو ظريف، تبقى النتيجة واحدة: إدراج آلية الزناد في الاتفاق كان كارثيًا لإيران. فاتهامات لافروف تعني ضمناً أن موسكو تتبرأ من نتائج هذا “الفخ”، وتحمّل ظريف مسؤولية السقوط فيه.
هل كان ظريف يعلم ما يورّط به إيران؟
تثير طبيعة الآلية سؤالًا أساسيًا: هل أخطأ ظريف في التقدير أم كان متواطئًا مع الغرب؟ • لافروف اتهمه بالموافقة على صياغة تركت إيران مكشوفة للعقوبات.
• وظريف نفسه أقرّ بأنّ روسيا في بدايات المفاوضات نصحَت إيران بعدم إنتاج الوقود النووي والاكتفاء بما تورّده موسكو لمفاعل بوشهر، وهو ما عدّه ظريف محاولة لجعل طهران تابعة لروسيا. 🫶 وفي التسجيل الصوتي المسرّب الذي أحدث ضجة داخل إيران، شكا ظريف من أنّ الحرس الثوري وقاسم سليماني كانا يحدّان من استقلالية وزارة الخارجية، وأنّ روسيا كانت تفضّل بقاء إيران معزولة وضعيفة.
من خلال هذه المعطيات، يبدو أن ظريف إمّا فشل في حماية المصالح الإيرانية، أو أنه عمِل بوعيٍ ضمن أجندة غربية تسعى لتقييد إيران. وهنا يبرز ظريف كدبلوماسي مفرط في “الغربية” على حساب الانتماء إلى محور المقاومة والسيادة الوطنية.
الأثر الأوسع: إضعاف محور طهران – موسكو
إنّ نتائج سياسات ظريف تجاوزت ملفّ الاتفاق النووي لتطال جوهر التحالف الإيراني الروسي. فاتهامات لافروف العلنية أظهرت أن موسكو لم تعد ترى في طهران شريكًا ندًّا، بل طرفًا ارتكب خطأً تفاوضيًا جسيمًا. وزاد من التوتّر أنّ ظريف وجّه مؤخرًا انتقادات لروسيا، متهمًا إياها بتسريب معلومات حول تعاون عسكري إيراني وروابطها مع الشهيد قاسم سليماني، ما فاقم الشكوك المتبادلة. وفي لحظةٍ تحتاج فيها إيران إلى حليفٍ استراتيجيٍّ في مواجهة العقوبات الأميركية، تسبّب هذا الشرخ في فراغٍ استراتيجي خطير داخل محور المقاومة.