رماد الغطرسة: إسرائيل تُعيد تاريخ تدنيس الجثث بحرق جثمان يحيى السنوار

عندما تسربت الأخبار التي تشير إلى أن إسرائيل تفكّر في حرق جثمان يحيى السنوار — القائد في حركة حماس الذي زعمت أنها قتلته — اهتزّ الضمير الإنساني قبل السياسي. فالفكرة ليست مجرد انتهاك ديني صارخ، بل تعبير عن إصرار على إذلال الآخر حتى بعد موته. في الإسلام، حرق الجسد ليس مجرّد جريمة دينية، بل محاولة لمسح الكرامة والهوية والعقيدة دفعة واحدة.
اليوم، تتكرر الممارسات نفسها مع إسرائيل، التي تحتجز جثمان السنوار وترفض تسليمه حتى خلال صفقات تبادل الأسرى الأخيرة، كما ذكرت تقارير الجزيرة والغارديان (2025). وقد لمّح مسؤولون إسرائيليون إلى إمكانية حرق الجثمان لمنع قيام “مزار رمزي” له، ما يعكس نزعة قديمة إلى إذلال الآخر عبر جسده الميت.
سابقة تاريخية في تدنيس الجثث
التاريخ الإسلامي والحديث يقدّم أمثلة كثيرة على محاولات السلطات محو رموز المعارضة عبر التعامل مع جثثهم. ففي القرن الثامن الميلادي، واجه زيد بن علي، حفيد الإمام الحسين، المصير نفسه بعد ثورته على الحكم الأموي. أمر يوسف بن عمر الثقفي، والي العراق آنذاك، بنبش قبره وصلبه لأربع سنوات، وفي عهد الخليفة هشام بن عبد الملك تشير الروايات إلى أنه أُحرق جثمانه وأُلقي رماده في نهر الفرات، لمنع تحوّل قبره إلى مزار يرمز للثورة والصمود.
إن ما تفعله إسرائيل اليوم ليس سوى تكرار لأسلوب الطغاة عبر التاريخ — أولئك الذين اعتقدوا أنهم يستطيعون محو الذاكرة بحرق الأجساد. وكما فشل الأمويون في طمس إرث زيد بن علي، ستفشل إسرائيل في محو رمزية يحيى السنوار، الذي أصبح رمزًا للمقاومة الفلسطينية حتى بعد موته.
أمثلة حديثة
تُعيد هذه الخطوة إلى الأذهان نماذج عديدة في التاريخ الحديث لسلطاتٍ سعت إلى طمس آثار معارضيها، خشية أن تتحوّل قبورهم إلى رموز للتمرد والصمود:
في بوليفيا، دفن الجيش، بتوجيه من وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)، جثمان إرنستو "تشي" جيفارا سرًّا قرب مدرج طيران مع رفاقه الذين أُعدموا معه. في تشيلي بعد الانقلاب العسكري، لجأت السلطات إلى رمي جثث المعارضين من الطائرات أو دفنهم في أماكن نائية لإخفاء آثارهم. في العراق خلال عهد البعث، استخدمت السلطة وسائل أكثر قسوة مثل إذابة المعارضين في مادة التيزاب أو دفنهم في مقابر جماعية سرية. من أبرز الأمثلة على ذلك:
المرجع الكبير آية الله محمد باقر الصدر، الذي دُفن سرًا في النجف الأشرف، ولم يُعثر على جثمان شقيقته آمنة الصدر (بنت الهدى) التي أُعدمت معه. محمد هادي السبيتي، أحد أبرز قيادات حزب الدعوة الإسلامية، الذي اختُطف في بيروت وتُشير روايات إلى أن نظام صدام حسين أذاب جثمانه بالتيزاب لإخفاء معالمه. عبد الكريم قاسم، الزعيم العراقي، الذي اختفت معالم جثمانه بعد بث إعدامه عبر التلفزيون الرسمي. وفي العصر الحديث، استخدمت الولايات المتحدة أسلوبًا مشابهًا عام 2011 عندما أمر الرئيس باراك أوباما بإلقاء جثمان أسامة بن لادن في عرض البحر، مدّعيًا أن ذلك تمّ “وفقًا للتقاليد الإسلامية”. في الحقيقة، الإسلام لا يُلقي الجثث في البحر ولا يُمحى آثارها، بل يُدفن الموتى بكرامة، حتى لو كانوا أعداء. سواء أراد أوباما إخفاء الحقيقة أو إذلال الأمة الإسلامية، فإن النتيجة كانت واحدة: إعلان صريح بأنّ بعض الأجساد لا تستحقّ الدفن، وبعض الأديان لا تُحترم.
الحالة الرمزية ليحيى السنوار
بعد مقتله، قام الجيش الإسرائيلي بقطع إصبع السبابة بحجة فحص الحمض النووي للتأكد من هويته، رغم أن الشعر أو الأظافر كانا كافيين. يحمل هذا الإجراء رمزية مؤلمة، إذ أن إصبع السبابة هو الذي يستخدمه أعضاء حركة حماس عند رفع اليد كإشارة إلى التوحيد ("لا إله إلا الله")، سواء في الصور الرسمية أو أثناء أداء القسم أو الاحتفالات.
بهذا، تحوّل الجسد من مجرد ضحية حرب إلى رمز ديني وسياسي تسعى إسرائيل إلى طمسه، في محاولة لقتل المعنى بعد قتل صاحبه.
الحرب النفسية وإهانة الذاكرة
إهانة الجسد الميت تُرهب الأحياء أكثر من الرصاص. حين يُمنع الدفن، تُمنع الراحة النفسية، وتُرسل رسالة واضحة: “حتى الموت لا يحميكم”. في الثقافة الإسلامية والعربية، الدفن ليس مجرد طقس ديني، بل اعتراف بإنسانية الميت واحترام لروحه أمام الله.
لكنّ الرموز لا تُدفن ولا تُحرق — ما يُحرق يتحوّل رماده إلى بذورٍ للكرامة والعزة. وكما تحوّل رماد زيد بن علي إلى رمز خالد للمقاومة ضد الظلم، فإن محاولة إسرائيل حرق جثمان السنوار لن تؤدي إلا إلى تقديس ذكراه وترسيخها في وعي الأمة العربية والإسلامية.