ظلال نووية: تهديد ترامب بالاختبارات النووية وتفكك النظام العالمي

مقدمة: عودة إلى حافة الهاوية
في أعقاب قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باختبار طوربيد “بوسيدون” النووي وصاروخ “بوريفيستنيك” المجنّح، أطلق الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب صدمة سياسية من العيار الثقيل. فقد أعلن عبر منصته “تروث سوشال” أنه أصدر أوامره إلى “وزارة الحرب” لبدء “اختبار أسلحتنا النووية على أساس متكافئ”، وهو تصريح أعاد إلى الأذهان كوابيس الحرب الباردة وأعاد إشعال المخاوف العالمية من سباق تسلّح نووي جديد.
لكن ما قاله ترامب يتجاوز حدود الاستعراض السياسي. إنه إشارة إلى أن منطق الردع النووي يعود اليوم ليصبح القاعدة الحاكمة لعلاقات القوى الكبرى، في انحدارٍ خطير يهدّد منظومة منع الانتشار ونظام ضبط التسلّح الذي بُني بعناء على مدى عقود.
أولاً: تحولات ميزان القوى الإقليمي والعالمي
إعلان ترامب أحدث ارتدادات واسعة في عالمٍ يعاد فيه تشكيل مراكز القوة. روسيا، المنخرطة في مواجهة مفتوحة مع الغرب بسبب أوكرانيا والعقوبات، ترى في التصعيد النووي وسيلة لتأكيد مكانتها كقوة عظمى. الصين، التي توسّع ترسانتها الاستراتيجية وتحدّث منشآتها التجريبية في “لوب نور”، تعتبر ذلك مبرّراً لمواصلة تطوير قدراتها الرادعة. إيران، المتحالفة مع موسكو وبكين، تنظر إلى الموقف الأميركي كدليل على ازدواجية المعايير الغربية، إذ تُمنَع الدول الأخرى من التسلّح بينما تمارس واشنطن ما تنهى عنه.
في ظل هذه التحوّلات، تجد الدول الأصغر نفسها بين الخوف والفرصة. ففكرة أن “القدرة النووية هي ضمانة للأمن” بدأت تستعيد جاذبيتها الخطرة.
ثانياً: انتهاك الإطار القانوني الدولي
من الناحية القانونية، يُعدّ إعلان ترامب تحدّياً صريحاً لعدد من الركائز الأساسية في النظام الدولي: معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT) لعام 1996، التي تحظر “أي تفجير نووي” في العالم. ورغم أن الولايات المتحدة وقّعت عليها، فإنها لم تصدّقها بعد؛ ما يعني أن الاختبارات لن تكون “غير قانونية” داخلياً، لكنها تمثل ازدراءً لروح المعاهدة والإجماع الدولي. معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، التي تُلزم الدول النووية بالسعي نحو نزع السلاح وعدم تقويض أهداف الحظر. واستئناف الاختبارات الأميركية سيقوّض الثقة بالمعاهدة، ويفتح الباب أمام دول أخرى لتبرير خطوات مماثلة.
بهذا، يرسل ترامب رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لتفكيك ما تبقّى من منظومة ضبط النفس النووي التي نشأت بعد الحرب الباردة.
ثالثاً: معاهدات منع الانتشار في خطر
تداعيات الخطوة الأميركية ستكون كارثية على منظومة منع الانتشار. فإذا استأنفت واشنطن التجارب النووية، فإن روسيا والصين ستسارعان حتماً إلى القيام بالمثل تحت ذريعة “تحقيق التكافؤ”، ما قد يؤدي إلى: انهيار السلطة المعنوية لمعاهدة الحظر الشامل (CTBT) وتحويلها إلى وثيقة شكلية. عودة سباق التسلّح العالمي بوتيرة غير مسبوقة. تصعيدٍ خطير في الشرق الأوسط، خصوصاً بين إسرائيل وإيران، إذ ستستغل كلٌّ منهما المناخ الجديد لتبرير برامجها النووية. تفاقم التوتر في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ستجد كوريا الشمالية في الموقف الأميركي مبرّراً لاستمرار تجاربها.
وبذلك، قد تتفكك منظومة عدم الانتشار نهائياً، بعدما ضعُفت أصلاً بفعل الانتهاكات الانتقائية.