من الأرقام الرسمية إلى حرب الدعاية: صدمة لم يتجاوزها المجتمع الإيراني

مع انقضاء موجة الاضطرابات الأساسية في إيران، أظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية أن عدد القتلى بلغ قرابة ثلاثة آلاف شخص. ورغم أن هذه الأرقام أقل بكثير من الأرقام الخيالية التي روّجتها حملات الدعاية الغربية وشبكات المعارضة في سباق محموم لرفع سقف الأعداد، فإنها مع ذلك شكّلت صدمة عميقة للمجتمع الإيراني. فالخسائر المسجّلة خلال أيام محدودة فاقت عدد ضحايا حرب الاثني عشر يومًا! ما يعكس حجم الكلفة البشرية لما جرى.
في الأيام الأولى، أدى غياب رواية رسمية متماسكة إلى فتح المجال أمام حرب نفسية وإعلامية منظّمة، استُخدمت فيها صور مفبركة ومحتويات مولّدة بالذكاء الاصطناعي وأرقام متضخمة، بهدف ترسيخ صورة الفوضى ونزع الشرعية عن الدولة، أكثر من نقل الوقائع كما هي.
ميدانيًا، خرجت بعض الاحتجاجات سريعًا عن طابعها السلمي، وبرزت أنماط عنف منظّم لا يمكن فصلها عن شبكات تحريض ودعم خارجي. هذا المشهد يستحضر تجربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، حيث بُني المشروع على التجنيد من داخل المجتمع نفسه واستثمار الانقسام والفوضى لخدمة أهداف خارجية.
في المقابل، بدت المؤسسات الرسمية مرتبكة في إدارة المرحلة الأولى من الأزمة، فأُرسلت قوات الأمن إلى الشارع دون استعداد كافٍ لحجم السيناريو المطروح، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا من المدنيين والعناصر الأمنية، وترك جرحًا عميقًا في الوعي الجمعي.
ورغم فشل السيناريو الأخطر القائم على إسقاط الدولة من الداخل بفعل تلاحم جزء واسع من المجتمع، فإن المواجهة لم تنتهِ. فالضغوط الخارجية تتصاعد، والتهديدات العسكرية باتت أكثر علنية، فيما لا تزال الأزمة الاقتصادية—السبب الرئيسي للاحتجاجات—قائمة، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية خلال الاضطرابات.
الخلاصة: لم يتحقق الانهيار، لكن إيران خرجت من هذه الأحداث مثقلة بالجراح، فيما تستمر معركة الاستنزاف على المستويات الإعلامية والاقتصادية والسياسية، في صراع لم تُغلق فصوله بعد.