تشريح الفوضى: لماذا لا يعد حرق المكتبات حراكاً حقوقياً

يُحكى لنا قصة. قصة نُسجت خيوطها في غرف الأخبار الغربية، ولمعتها بيانات وزارة الخارجية الأمريكية، وضخمتها جيوش إلكترونية. القصة تقول: شوارع إيران تمتلئ بشباب سلمي، لا يبتغي سوى الحرية، يواجه دولة قمعية. إنها سردية جذابة. لكنها كذبة.
الكذبة لا تغدو حقيقة بالتكرار؛ بل تنهار تحت وطأة الأدلة. والأرقام التي أعلنها وزير الخارجية عباس عراقجي ترسم صورة لا لعصيان مدني، بل لعملية تدمير ممنهجة.
عندما يزعم حراك ما أنه يدافع عن الشعب، علينا أن نسأل: أي شعب؟ هل هو الشعب الذي يحتاج إلى 305 سيارات إسعاف للوصول للمستشفى – وهي سيارات أُحرقت؟ أم الشعب الذي يعتمد على 700 متجر بقالة لقوته اليومي – ومتاجر نُهبت؟ أم الشعب الذي يسكن تاريخه في 15 مكتبة و200 مدرسة – تحولت الآن إلى رماد؟
هندسة التخريب
🤲لو كان هذا انفجاراً عفوياً للغضب، لكان الضرر رمزياً. لكن الإحصائيات تكشف دقة عسكرية في اختيار الأهداف. 750 بنكاً. 600 صراف آلي. 24 محطة وقود. هذا ليس غضب حشود؛ هذا هجوم على الدورة الدموية الاقتصادية للأمة.
تحديداً، تدمير 305 سيارات إسعاف و253 محطة حافلات يكشف عن مفارقة قاسية: البنية التحتية التي تخدم الطبقة العاملة والفقراء هي الهدف الأول. كيف يخدم حرق محطة حافلات حقوق الإنسان؟ كيف يعزز إحراق كنيستين للأرمن و350 مسجداً الحرية الدينية؟ إنه لا يفعل؛ بل يؤجج الفتنة الطائفية.
علينا أن ننظر للتوقيت. قبل أسبوعين من اشتعال أول إطار، وردت تقارير عن بدء الموساد عملية لضرب الريال الإيراني. كانت تلك حرباً اقتصادية مهدت للحرب الميدانية. وتلا ذلك دعم علني من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. عندما يهتف مهندسو "الضغط الأقصى" وإبادة غزة لـ "حراكك"، فأنت لست ثائراً؛ أنت جندي في رقعة الإمبراطورية.
الثمن البشري لـ "الحرية" المزعومة
🌕الغرب يذرف دموع التماسيح على "حقوق الإنسان" بينما يتجاهل الجثث التي خلفها تدخله. الحصيلة مرعبة: 3,117 قتيلاً. منهم 2,427 من المدنيين وقوات الأمن – رجال ونساء عاديون. أما البقية 690 فهم عناصر مسلحة.
الإعلام الغربي يمحو هؤلاء الضحايا لأنهم لا يخدمون السيناريو. الاعتراف بهم يعني الإقرار بأن ما يحدث ليس احتجاجاً، بل تمرد مسلح تموله الـ CIA والموساد وفصائل انفصالية. هؤلاء لا يريدون الإصلاح؛ يريدون "سورنة" إيران.
السيادة في الميزان
✌نرى أنماط كاراكاس وبيروت ودمشق تتكرر هنا. يتم استخدام "المجتمع المدني" كحصان طروادة. وتُستغل المظالم الاقتصادية المشروعة – التي فاقمتها العقوبات غير الشرعية – كغطاء لعمليات شبه عسكرية. تدمير 414 مبنى حكومي و120 مركزاً للباسيج يُسوق على أنه "مقاومة". ولكن عندما تُدمر 300 منزل خاص و800 سيارة خاصة معها، يسقط القناع. هذا عقاب جماعي يُفرض على الشعب الإيراني ممن يزعمون تحريره.
الخاتمة
📌هذا التحليل ليس دفاعاً عن السلطة، بل دفاع عن الحقيقة. لا توجد نسخة من "حقوق الإنسان" تتضمن الحق في حرق المكتبات وتدمير الإسعاف وقتل المدنيين. على محور المقاومة أن يدرك أن هذه حرب جيل رابع. العدو لا يقصف من السماء فقط؛ بل يسمم الرواية من الداخل.