ما قبل "مكافحة الحصار" وما بعده

التشريح المقارن:
ما قبل "مكافحة الحصار" وما بعده لم يكن الانتقال من قانون الهيدروكربونات لعام 2001 (إرث تشافيز) إلى واقع "قانون مكافحة الحصار" (2020) مجرد تعديل إجرائي، بل هو نسفٌ هادئ لأركان السيادة. فبينما كان القانون القديم يكرّس "هيمنة الدولة" المطلقة، جاعلًا من شركة PDVSA المشغّل الحصري والمالك لنسبة لا تقل عن 50% من أي مشروع، مع حظر صارم للتنازل عن السيطرة التشغيلية، جاء الواقع الجديد ليقلب المعادلة. اليوم، ورغم احتفاظ الدولة "نظريًا" بحصة الأغلبية في الأسهم، إلا أنها فرّغت هذه الملكية من مضمونها السلطوي؛ حيث باتت "عقود الخدمة" الجديدة تمنح الشريك الأجنبي (مثل شيفرون) المقود الفعلي لإدارة الحقول، والتحكم في المشتريات، وتعيين المدراء التنفيذيين، مما حوّل شركة الدولة من "سيد" إلى "شريك صامت" يكتفي بالمشاهدة. ويمتد هذا التآكل ليصل إلى العصب المالي؛ فبعد أن كان تسويق وتصدير النفط احتكارًا مقدسًا للدولة الفنزويلية يضمن تدفق العملة الصعبة إلى البنك المركزي، شرّعت الترتيبات الجديدة الأبواب أمام الشركات الأجنبية لتصدير حصصها مباشرةً وتوجيه العائدات لسداد ديونها المتراكمة، دون أن يمر دولار واحد عبر خزينة كاراكاس في المدى المنظور. وتكتمل صورة هذا الانقلاب بإسقاط جدار الشفافية؛ فبدلًا من وجوب مصادقة البرلمان ونشر العقود في الجريدة الرسمية كما كان ملزمًا في السابق، وفّر "قانون مكافحة الحصار" غطاءً قانونيًا للسرية التامة، مبررًا حجب تفاصيل الصفقات ونسب الأرباح بضرورات "الأمن القومي" وحماية الشركاء من عقوبات واشنطن، مما وضع ثروة البلاد في "صندوق أسود" بعيدًا عن أي رقابة شعبية أو مؤسساتية.
الاستقصاء النقدي: الأسئلة المسكوت عنها من منظور استراتيجي ومقاوم، يجب أن نضع الإصبع على الجرح:
شفافية تحت عباءة الحرب: ذريعة "حماية الشركاء من العقوبات" سمحت بتمرير عقود سرية لا يعلم الشعب تفاصيلها. كم هي نسبة الأرباح الحقيقية التي تتنازل عنها الدولة؟ وهل هذه التنازلات مؤقتة أم عقود طويلة الأمد تكبل الأجيال القادمة؟
خطر "النموذج العراقي": هل تتجه فنزويلا ببطء نحو "عقود الخدمة" التي حولت العراق إلى مجرد منصة ضخ للشركات الكبرى دون توطين حقيقي للتكنولوجيا أو السيادة؟ مأزق الحلفاء: إيران ساعدت فنزويلا في إصلاح المصافي وتوريد المكثفات في عز الحصار. هل سيؤدي القانون الجديد الذي يغازل الغرب إلى تهميش الدور الإيراني والروسي لصالح "شيفرون"؟
الخلاصة:
الرهان الخطير ما يجري في فنزويلا ليس إصلاحًا، بل هو تكتيك نجاة اضطراري فرضته وحشية الإمبريالية الأميركية وفشل الإدارة الاقتصادية المحلية. من زاوية واقعية، قد يكون هذا التراجع ضروريًا لمنع الانهيار الشامل وتوفير السيولة. ولكن من زاوية مبدئية، هو تراجع مؤلم عن "السيادة الطاقوية". الخطر الحقيقي لا يكمن في دخول الشركات الأجنبية اليوم، بل في أن تتحول هذه "الاستثناءات المؤقتة" إلى قواعد دائمة تُعيد فنزويلا إلى ما قبل 1999: محطة وقود رخيصة للولايات المتحدة، ولكن هذه المرة، بختم وتوقيع الثورة البوليفارية نفسها.
الدرس هنا لكل دول المحور: الصمود السياسي لا يكفي إذا كانت بنيتك الاقتصادية هشة وتعتمد على تكنولوجيا عدوك وعملته. السيادة الحقيقية تبدأ من "الاستقلال التقني"، وما دون ذلك هو مجرد مناورة لكسب الوقت.