إدارة الانهيار من الداخل

في إيران اليوم، لم يعد ممكنًا اختزال الأزمة الاقتصادية وانفجار الأسعار في العقوبات الخارجية وحدها. فالارتفاع غير المسبوق في سعر الدولار، والغلاء المنفلت للسلع الأساسية، وانهيار معيشة الناس، هي نتاج تزامن الضغط الخارجي مع الدور النشط لشبكة من الجواسيس وأصحاب المصالح في الداخل، ممن يربحون من عدم الاستقرار، ولا يبالون بأوضاع حياة الناس ولا بمستقبل البلاد السياسي، بل إنهم مستعدون لتسليم سيادة البلاد، وحتى التفريط بوحدة أراضيها، ثم الفرار.
الأوليغارشية؛ مضارب بالأزمة ومهندس للغلاء
الأوليغارشية المهيمنة على الاقتصاد الإيراني هي شبكة متشابكة من ناهبي الريع، وسماسرة العملة، والمستوردين الاحتكاريين، والمقاولين شبه الحكوميين، وأجزاء من البيروقراطية السياسية، وهي ليست ضحية للعقوبات فحسب، بل مستفيدة مباشرة من استمرارها.
بالنسبة لهذه الشبكة:
* قفز سعر الدولار فرصة لا تهديد؛ * التضخم أداة لنقل الثروة من الأسفل إلى الأعلى؛ * انهيار القدرة الشرائية للناس ثمنٌ للحفاظ على الاحتكار والريع.
في مثل هذا البناء، لا يُعدّ الفساد «انحرافًا»، بل هو منطقٌ منظوميٌّ مسيطر، ولا يمكن استمرار النظام القائم إلا بهذه الصيغة تحديدًا. وحتى ارتفاع سعر الصرف لم يعد نتيجة قرارات عشوائية أو ضغط خارجي صرف، بل هو في الغالب نتاج تلاعب واعٍ بسوق العملة، وسياسات مزدوجة، وامتناع متعمّد عن الإصلاحات البنيوية.
انهيار مُدار؛ مشروع متناغم مع المصالح الخارجية
الأخطر من ذلك أن هذه الأوليغارشية نفسها، وعلى مستوى أعمق، باتت تتقاطع عمليًا مع سيناريو انهيار النظام القائم بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التقاطع ليس أيديولوجيًا، بل تحكمه المصالح الاقتصادية.
فهذا الانهيار المُدار:
* يخفّض قيمة الأصول؛ * يسهّل خروج رؤوس الأموال؛ * ويفتح الطريق لإعادة توزيع السلطة لصالح شبكات مرتبطة مسبقًا بمراكز القوة العالمية.
وفي هذا السياق، فإن كثيرًا من الشعارات المعادية لأمريكا وإسرائيل ليست سوى غطاءٍ خطابيٍّ لاستمرار سياسات تقود بالضبط إلى النتيجة التي تريدها واشنطن وتل أبيب: إيران ضعيفة، غير مستقرة، معزولة، وغارقة في أزماتها الداخلية.
غياب الإرادة في قمة النظام؛ انسداد القرار الاستراتيجي
في هذا الوضع، يلعب غياب الإرادة الحقيقية في قمة النظام السياسي والأمني دورًا حاسمًا. فلا القيادة العليا، ولا البنية العسكرية–الأمنية، أظهرت حتى الآن إرادة جدية لـ:
* كسر نفوذ الأوليغارشية؛ * احتواء الفساد البنيوي؛ * إعادة بناء السياسة الاقتصادية لصالح المجتمع؛ * أو إحداث تغيير حقيقي في السياسة الخارجية يضمن أمنًا مستدامًا.
في حين تُظهر التجارب العالمية — ومنها تلك التي أشار إليها جيفري ساكس — أن الأمن المستدام يمر عبر خفض التوتر الذكي والاعتماد على توازنات القوة العالمية، تبقى إيران عمليًا في حالة تعليقٍ خطِر.
التخريب المتعمّد للعلاقات مع الصين وروسيا
في هذا السياق، يُغفل كثيرًا دور الأوليغارشية في تخريب العلاقات الاستراتيجية مع الصين وروسيا. ففي فترات مختلفة:
* صيغت الاتفاقيات بشكل غامض وغير فعّال؛ * عُرقلت التعاونات الاقتصادية والبنيوية عمدًا أو أُفرغت من مضمونها؛ * وشُكّل خطاب إعلامي يصوّر هذه العلاقات بوصفها «تبعية» أو «بيعًا للبلاد».
والنتيجة لم تكن استقلالًا، بل مزيدًا من العزلة لإيران؛ عزلة صبّت تمامًا في مصلحة الأوليغارشية الداخلية وخصوم إيران الخارجيين معًا.
في ظل غياب سياسة خارجية نشطة، شفافة، ومتوازنة، لم ترتبط إيران فعليًا بالشرق، ولم تصل إلى تفاهم مستدام مع الغرب؛ بل بقيت عالقة في منتصف مكلف ومُنهِك، وهو بالضبط ما تسعى إليه التيارات التوافقية الداخلية، ومن بينها جزء معتبر من التيار الإصلاحي، لدفع البلاد في نهاية المطاف إلى طاولة تفاوض تؤدي إلى استسلام كامل.
الاحتجاجات؛ ردّ المجتمع على تحالف الفساد والشلل السياسي
الاحتجاجات الأخيرة في إيران هي ردّ مباشر من المجتمع على هذا التحالف غير المعلن بين الفساد الداخلي، والانسداد السياسي، والضغط الخارجي. شعب يزداد فقرًا يومًا بعد يوم، ويسأل بحق: من المسؤول؟ ومن المستفيد من هذا الوضع؟ ولماذا لا يُحاسَب أحد؟
هذه الاحتجاجات، وإن كانت تُستغل من قبل أعداء إيران في الخارج، وتحاول وسائل إعلامهم المأجورة توجيهها، إلا أنها ليست مشروعًا خارجيًا ولا مؤامرة داخلية؛ بل هي النتيجة الطبيعية لسياسات داخلية مدمّرة على مدى عقود، سياسات ضحّت بالناس، وأضعفت البلاد، وجعلتها أكثر هشاشة.
ما أوصل بلادنا إلى هذا الوضع هو التعايش بين العقوبات والأوليغارشية الفاسدة، مع غياب الإرادة السياسية للتغيير.
وإذا استمر هذا المسار، فلن يبقى لا استقلال، ولا أمن، ولا حتى نظام قابل للإصلاح.
لقد وصلنا إلى نهاية الطريق؛ إيراننا تقف أمام خيار تاريخي: إما كسر سلطة الأوليغارشية الفاسدة وإعادة السياسة إلى خدمة المجتمع، أو الانزلاق التدريجي نحو انهيار خطط له الآخرون.
لا طريق ثالث.
رضا فاني يزدي 16 كانون الثاني / يناير 2026
☑️