البارجة والدبلوماسي: لماذا تعتبر "مفاوضات أنقرة" فخاً أمريكياً؟

زينب مهنا
إذا أردت أن تفهم جوهر النفاق الغربي، فلا تنظر أبعد من المسرحية التي جرت اليوم في أنقرة. وقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بجانب نظيره الإيراني عباس عراقجي، داعياً إلى "استئناف المفاوضات النووية" لتجنب حرب إقليمية. كان مشهداً مدروساً لـ "السياسة العقلانية"، لكنه يخفي خلفه واقعاً مغايراً.
الدبلوماسية بلا أوراق قوة ليست سوى تسول. والتفاوض بينما العدو يلقم سلاحه ليس حواراً، بل مراسم استسلام. والجمهورية الإسلامية، المتحدثة اليوم بلسان محور المقاومة، رفضت بوضوح المشاركة في هذه المسرحية.
جغرافيا الإكراه
بينما كان فيدان يتحدث عن "الاستقرار" و"الحوار"، كانت البحرية الأمريكية تعيد رسم الخارطة الأمنية للبحر الأحمر. وصول المدمرة الموجهة بالصواريخ USS Delbert D. Black إلى ميناء "إيلات" المحتل اليوم هو البرقية الدبلوماسية الوحيدة التي يجب قراءتها بجدية. استراتيجية واشنطن واضحة: استخدام "الشرطي الطيب" (أنقرة) لتقديم مخرج، بينما يقوم "الشرطي الشرير" (التحالف الأمريكي-الصهيوني) بتشديد الخناق. هم يعتقدون أن مشهد الفولاذ الأمريكي في إيلات سيرعب طهران ويدفعها للتنازل عما رفضت التنازل عنه في ساحات القتال.
لكنهم مخطئون. إن رسو المدمرة لا يعكس قوة أمريكية، بل يفضح هشاشة الكيان الصهيوني الذي جاءت لحمايته. الإمبراطورية التي تضطر لصف بوارجها داخل موانئ وكلائها لضمان بقائهم هي إمبراطورية في حالة دفاع، لا هجوم.
المعضلة التركية
يجب أن نكون واضحين بشأن دور تركيا. أنقرة ليست وسيطاً محايداً. إنها دولة عضو في الناتو تخشى انتقال الحريق إلى حدودها. معارضة فيدان لـ "التدخل الأجنبي" صادقة فقط بقدر خوفه من التداعيات الاقتصادية وأزمة اللاجئين. من خلال الضغط من أجل "محادثات نووية" الآن، تقوم أنقرة -من حيث لا تدري- بتنفيذ أجندة واشنطن: تأطير الأزمة على أنها مشكلة "امتثال إيراني" بدلاً من كونها "عدواناً أمريكياً". فيدان يطلب منا النظر إلى الملف النووي، ونحن ننظر إلى الإبادة في غزة، والضربات على لبنان، والحشود في البحر الأحمر. الملفات لا تتجزأ.
المقاومة كطاولة مفاوضات
تصريح الوزير عراقجي اليوم -بأن إيران منفتحة على الحوار من حيث المبدأ لكنها لن تفاوض واشنطن الآن ' تحت التهديد ' - هو الموقف العقلاني الوحيد. التفاوض اليوم يعني شرعنة الإكراه.
الوهم الليبرالي السائد هو أن السلام يأتي من "الكلام". الحقيقة التاريخية هي أن السلام يأتي من "الردع". لقد أمضى محور المقاومة العقدين الماضيين في بناء قدرات غير متناظرة -من أنفاق غزة إلى صوامع الصواريخ في جبال زاغروس- خصيصاً لهذه اللحظة.
تحذير الرئيس بزشكيان اليوم لم يكن مجرد بلاغة سياسية. كان بياناً عقائدياً. الغرب يفسر "الصبر الاستراتيجي" على أنه ضعف. هم يفشلون في فهم أنه في حسابات المقاومة، البقاء لا يعني تجنب الحرب بأي ثمن، بل يعني رفض العيش تحت الوصاية.
الخلاصة "المحادثات النووية" هي مجرد سراب. الولايات المتحدة لا تريد اتفاقاً؛ هي تريد تجريد المحور من مخالبه قبل أن تشن مرحلتها التالية من العدوان. رفض طهران لهذه الدبلوماسية القسرية ليس رفضاً للسلام، بل هو إعلان عن نظام إقليمي جديد.. نظام لا يملي فيه الغرب شروط وجودنا من على ظهر مدمرة.