تسميم الأرض كعقيدة استعمارية

تسميم الأرض كعقيدة استعمارية
تتعامل الأدبيات الليبرالية الغربية مع البيئة كرفاهية، وتصنف تدميرها في الحروب كـ "أضرار جانبية". لكن الحقيقة التي يدركها من يزرع الأرض ويقاوم فوقها هي أن الطبيعة ليست مجرد مشهد، بل هي شريان المقاومة، وذاكرة الأرض، وحاضنة الوجود. لهذا السبب، حين يعجز الاستعمار عن كسر إرادة الإنسان، يتوجه مباشرة لتسميم الأرض التي تنجبه.
عقيدة "إبادة الطبيعة" (Ecocide)
ما نشهده اليوم في جنوب لبنان، وتحديداً مع قيام طائرات الاحتلال الزراعية برش مواد كيميائية فوق المناطق الحدودية بذريعة "إبقاء المنطقة مكشوفة"، ليس إجراءً أمنياً تقنياً، بل هو استمرار لسياسة الأرض المحروقة التي صاغتها الإمبريالية في فيتنام. في الستينيات، رشت الولايات المتحدة أكثر من 70 مليون ليتر من "العامل البرتقالي" (Agent Orange) فوق غابات فيتنام. كان الهدف المعلن "حرمان المقاتلين من الغطاء النباتي"، لكن النتيجة كانت تدمير 5 ملايين فدان من الغابات والمحاصيل، وترك ندوب جينية ومسرطنة في أجساد الأجيال.
اليوم، يكرر الكيان ذات الجريمة، حيث وثقت التقارير (فبراير 2026) قيام طائراته برش مواد كيميائية مجهولة فوق بلدات مثل "عيتا الشعب" و"ميس الجبل"، في استغلال خبيث لفترة الهدنة لتنفيذ عدوان كيميائي صامت.
الجنوب اللبناني: الأرض كعدو (بالأرقام والوقائع)
تكشف البيانات العلمية والميدانية أن هذا الاستهداف ليس عشوائياً، بل هو تدمير منهجي لمقومات الحياة:
• محرقة الفوسفور: منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، وثقت الجهات العلمية (مثل المجلس الوطني للبحوث العلمية) سقوط أكثر من 284 قذيفة فوسفورية حارقة، تسببت في احتراق أكثر من 2,100 هكتار من الأراضي، منها أحراج معمرة وأراضٍ زراعية.
• الإبادة النباتية: احترق ما يزيد عن 10,800 هكتار في الجنوب وحده خلال عام 2024، وهي مساحة تعادل أربعة أضعاف مساحة بيروت، مما أدى إلى تدمير 25% من بساتين الزيتون، وهي الركيزة الاقتصادية لأهل الجنوب.
• المواد المسرطنة: التقارير الصادرة عن وزارة البيئة اللبنانية وخبراء من الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) تحذر من أن الرش الكيميائي الحالي يتجاوز كونه "مبيد أعشاب"، بل هي مركبات مسرطنة تتغلغل في التربة والمياه الجوفية، مما يجعل الأرض غير قابلة للزراعة لسنوات طويلة.
منطق المستعمر: إذا لم أملكها، سأفسدها هذا السلوك يكشف عن جوهر المنطق الصهيوني: الأرض التي تقاومه لا تستحق الحياة. حين تفشل الدبابة في تثبيت واقع احتلالي، تأتي الكيمياء لتكمل المهمة. إنهم يخشون الشجر كما يخشون البشر؛ يخشون أحراش الجنوب لأنها توفر البيئة الطبيعية للمقاومة. إن استخدام "العامل الكيميائي" في وقت السلم الظاهري أو وقف إطلاق النار هو محاولة لفرض "منطقة عازلة بيئية" (Ecological Buffer Zone)، حيث يتم تحويل القرى الحدودية إلى مناطق جرداء ومسمومة لمنع عودة المزارعين وتثبيت التهجير القسري عبر جعل سبل العيش مستحيلة.
صمت دولي وتواطؤ قديم إن صمت "المجتمع الدولي" ومنظمات حماية البيئة تجاه ما يحدث في جنوب لبنان يعيدنا إلى ذات المشهد في فيتنام. يبدو أن تدمير البيئة يصبح "وجهاً مقبولاً" للحرب عندما يكون الضحية ممن يرفضون التبعية.
إن استهداف التربة اللبنانية بالمواد المسرطنة هو جريمة حرب مكتملة الأركان. لكن المقاومة التي نبتت من هذه الأرض تعرف كيف تحمي جذورها، وإن كان العدو يظن أن تسميم الشجر سيوقف مسار التاريخ، فهو يجهل أن هذه الأرض تمرست على البقاء والانتصار.
و يجب ان نأخذ بعين الاعتبار انو الاهم عند الاسرائيلي هو ان يبث الخوف والقلق عند اهل الجنوب بأن المناطق الحدودية غير صالحة للعيش وملوثة والافضل اخلائها حفاظا على سلامة سكانها… و بعض الاعلام الاجنبي ينشر بالعنوان الكبير: “الجنوب غير صالح للعيش”.
السؤال المطروح اليوم: هل سينتظر العالم عقوداً أخرى ليعترف بمحرقة البيئة في لبنان، كما فعل مع فيتنام؟ أم أن تدمير كوكبنا يصبح مسألة ثانوية عندما يتعلق الأمر بحماية أمن الكيان؟