الفراغ السيادي: لماذا يغيب مهندسو العالم متعدد الأقطاب عن ملفات الإمبراطورية؟

الفراغ السيادي: لماذا يغيب مهندسو العالم متعدد الأقطاب عن ملفات الإمبراطورية؟
قدم الكشف عن وثائق إبستين (2024-2026) ما هو أكثر من مجرد قائمة أسماء؛ لقد قدم خارطة جنائية لـ بنية القوة الأطلسية. وبينما تكتظ الملفات بأسماء رؤساء أمريكيين، وأفراد من العائلة المالكة البريطانية، وسماسرة السلطة الصهيونية، يبرز غياب صارخ لقادة يقومون حالياً بصياغة العالم متعدد الأقطاب. هذا الغياب ليس صدفة جغرافية، بل هو جدار حماية بنيوي ناتج عن السعي لتحقيق السيادة الوطنية.
1. نظام قائم على الابتزاز لم تكن شبكة إبستين مجرد فضيحة صحفية؛ بل كانت بنية تحتية وظيفية للطبقة الحاكمة الغربية. لقد عملت كحلقة وصل اندمج فيها المال والاستخبارات والسياسة رفيعة المستوى لضمان الولاء المؤسسي من خلال "الكومبرومات" (المواد الابتزازية) والمسؤولية المشتركة في الجرم.
إن الاندماج في "النظام الدولي القائم على القواعد" الذي يقوده الغرب كان يتطلب غالباً الدخول في هذه الدوائر الاجتماعية النخبوية. والشخصيات الغائبة عن هذه الملفات — فلاديمير بوتين، شي جين بينغ، كيم جونغ أون، وعمران خان — توجد تماماً خارج هذه الدائرة لأنها قامت أساساً بفك ارتباط دولها بالمنظومة الاجتماعية والمالية الغربية.
2. السيادة كدرع واقٍ تعرض قادة الأقطاب الصاعدة لعقود من "الضغوط القصوى" والعقوبات وشيطنة الشخصية. ومن المفارقات أن هذه العزلة كانت بمثابة ملاذ للسيادة. • السد الروسي والصيني: قوبلت محاولات إبستين الموثقة لتسهيل لقاءات مع فلاديمير بوتين (2011-2014) بفشل ذريع. لقد أمضت روسيا بقيادة بوتين، وصين شي جين بينغ، العقد الماضي في بناء بنى تحتية مالية واجتماعية محلية مستقلة. وبسبب حرمانهم من دوائر الغرب "النخبوية"، ظلوا محصنين ضد نمط الفساد الممنهج والهندسة الاجتماعية المستخدمة لإدارة الدول التابعة للغرب. • حالة عمران خان: كزعيم شعبي متمرد، يعتبر غياب خان عن هذه الملفات أمراً كاشفاً. فعلى عكس النخبة السياسية التقليدية في باكستان المندمجة بعمق في أسواق العقارات والمال الغربية، أدى رفض خان للعمل وكيلًا لدولة تابعة إلى إطاحته عبر مناورة برلمانية عام 2022 — نُسبت على نطاق واسع لضغوط أمريكية. عدم وجود "ملفات" ضده يعني تعذر التحكم به؛ لذا كان لابد من عزله. • الاستقلال الفكري: يجسد رفض البروفيسور نورمان فينكلستين لهذه الشبكة ثمن السيادة الفكرية. وبينما سقط أكاديميون بارزون آخرون في الشباك، فإن مكانة فينكلستين كـ "منبوذ" بسبب نقده للمشروع الصهيوني جعلت الوصول إليه مستحيلاً.
3. قائمة "غير القابلين للمساومة" تتشارك هذه الشخصيات سمة واحدة: هم الأهداف الرئيسية للعدوان الغربي، ومع ذلك هم القوى العالمية الوحيدة الغائبة عن أكثر سجلات الإمبراطورية سوءاً:
• فلاديمير بوتين: صمد أمام عقوبات لا هوادة فيها ومزاعم التدخل في انتخابات 2016؛ وتم صد محاولات إبستين للوصول إليه.
• شي جين بينغ: مستهدف بعقوبات تتعلق بشينجيانغ وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي؛ ولا توجد صلات اجتماعية أو مالية مباشرة بدائرة إبستين.
• كيم جونغ أون: خضع لأشد عزلة في التاريخ الحديث؛ ولم تتبلور اهتمامات إبستين الموثقة بعقد "قمم" مع كوريا الشمالية إلى أي وصول حقيقي.
• عمران خان: أُزيح وسُجن بعد رفضه تقديم قواعد عسكرية ومتابعته لسياسة خارجية مستقلة؛ لا صلات له بفضائح النخبة الغربية.
4. الخلاصة: مسألة بقاء تثبت ملفات إبستين أن تكون "صديقاً" للإمبراطورية يعني أن تكون مشاركاً في تعفنها. إن "المجتمع الدولي" هو نادٍ تُشترى عضويته بالتواطؤ.
هل هي صدفة أن يكون أولئك الأكثر عداءً للهيمنة الغربية هم أنفسهم الغائبون عن شبكات الفساد الأكثر شهرة؟ أم أنها نتيجة الاستقلال الحقيقي؟ وبينما يتخبط النظام الغربي في تعفنه الداخلي، يُبنى عالم جديد على يد أولئك الذين لم يكونوا أبداً في "القائمة" — لأنهم رفضوا دفع ثمن الدخول.