من طهران إلى بغداد: الصدمة الاقتصادية كمدخل للفوضى

من طهران إلى بغداد: الصدمة الاقتصادية كمدخل للفوضى
يجب الاعتراف أولًا بأن أي قراءة لما يجري في العراق اليوم، أو لما جرى في إيران مطلع تشرين الثاني، لا يمكن أن تكون معزولة عن التحشيد العسكري الأمريكي المتسارع في المنطقة. فالتاريخ القريب علّمنا أن الاقتصاد يسبق المدفع، وأنه عندما يقرر البنتاغون مسارًا ما، فإن وزارة الخزانة الأمريكية تكون الأداة التنفيذية لهذا القرار تخطيطًا وتمويلًا وتنفيذًا.
وقد جاء هذا الترابط واضحًا بعد الاعترافات الخطيرة التي أدلى بها وزير الخزانة الأمريكي أمام الكونغرس، حين تحدث صراحة عن استراتيجية تهدف إلى خلق اضطرابات اقتصادية داخل إيران. لكن الأخطر من ذلك، وكما أقرّ الوزير نفسه، هو وجود شركاء في الداخل الإيراني والعراقي يساندون هذه السياسات، سواء عن وعي أو عن جهل.
مشتركات خطيرة بين إيران والعراق
ما جرى في إيران وما يجري اليوم في العراق ليسا حدثين منفصلين، بل يشتركان في مسار واحد ينبغي التوقف عنده بجدية:
أولًا – الحالة الإيرانية: طبّقت حكومة بزشكيان إجراءات اقتصادية قاسية أدت بشكل مباشر إلى إفقار الطبقات الوسطى والفقيرة، وخلقت حالة احتقان شعبي غير مسبوقة. وكان أبرز هذه الإجراءات رفع سعر الدولار الرسمي من 28,500 تومان إلى 131,000 تومان في خطوة صادمة وغير محسوبة.
النتائج كانت كالتالي: 🫶انهيار متسارع لقيمة العملة الوطنية، تضخم حاد، تعميق الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وانفجار الغضب الشعبي في الشارع الإيراني. هذه الاحتجاجات تحولت لاحقًا إلى أعمال عنف دموية سقط خلالها آلاف الضحايا من المدنيين والقوات الأمنية، في ظل تدخلات أمريكية وإسرائيلية واضحة. ورغم كل العوامل الخارجية، تبقى الحكومة الإيرانية هي المسؤولة الأولى عن هذه الكارثة، لأنها اختارت الصدمة الاقتصادية بدل البحث عن بدائل أقل تدميرًا للمجتمع.
ثانيًا – الحالة العراقية: في العراق، بدأت حكومة محمد شياع السوداني تنفيذ إجراءات اقتصادية مشابهة في جوهرها، تمثلت في رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع المستوردة إلى نحو 30%، ما أدى إلى إضراب واسع لأصحاب المحال التجارية وتجار الجملة وإغلاق عدد كبير من الأسواق في بغداد وعدة محافظات.
والخطير هنا أن هذه الإجراءات تُنفذ ونحن على أبواب شهر رمضان، أي في أكثر الفترات حساسية للحركة الاقتصادية والاستهلاك الشعبي، ما يعني ضغطًا مضاعفًا على المواطن والسوق معًا.
قد يخرج من يبرر هذه السياسات بحجج مثل ضبط المنافذ الحدودية أو الحد من التهريب والتهرب الضريبي، لكن السؤال الجوهري يبقى: بأي ثمن؟ هل من المنطقي تنفيذ إصلاحات يكون ثمنها سحق الطبقة الوسطى، واستنزاف الطبقات الفقيرة، وحرمان السوق من سلع حيوية بسبب تكدسها في المنافذ؟
خصوصًا وأن أسباب العجز معروفة: اقتصاد عراقي مرتهن للإدارة الأمريكية التي تسيطر على عائدات النفط، فساد مستشرٍ في مفاصل الدولة، وعجز حكومي مزمن عن ضبط كبار الفاسدين. ومع ذلك، لا تُمس رواتب الرئاسات الثلاث، ولا يُقارب ملف البرلمان الأعلى كلفة في العالم، ولا تُغلق مكاتب بعض المسؤولين التي تحولت إلى إمبراطوريات اقتصادية.
ثالثًا – الغطاء السياسي: في إيران، لم تكن حكومة بزشكيان وحدها في الواجهة؛ فلو لم يكن هناك غطاء سياسي، لما تجرأت على تنفيذ هذه الصدمة الاقتصادية رغم المعارضة. وفي العراق، المشهد أكثر وضوحًا وإحباطًا: مجلس نواب في حالة سبات، يقابله ائتلاف إدارة الدولة—الذي يضم قوى شيعية وسنية وأقليات حاكمة—يصدر بيانًا يشدد فيه على ضرورة مساندة الإصلاحات الاقتصادية الحكومية ودعم قرارات ضبط المنافذ والحد من التهريب والتهرب الضريبي.
لكن هذا الدعم السياسي يعني عمليًا تغليب كلفة الإصلاح على الشعب بدل الذهاب إلى الإصلاح الحقيقي: محاسبة الفاسدين، واستعادة الأموال المنهوبة، وفرض الضرائب على الأثرياء.
تحذير أخير
على الساسة العراقيين أن يصغوا جيدًا لصوت السوق، ولأنين الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة قبل فوات الأوان. فما جرى في إيران لم يمضِ عليه شهر واحد، والعبرة لا تزال ساخنة.
الأساطيل العسكرية وصلت إلى بحر العرب، والحديث عن أن العراق بمنأى عن الحرب وهم خطير. داعش يتربص على الحدود، وداخل البلاد حصان طروادة يتمثل في سجون مكتظة بعناصر داعش، أُدخل كثيرٌ منهم بعد انهيار قسد، وهؤلاء ينتظرون ساعة الصفر. الولايات المتحدة لم تأتِ إلى المنطقة لحماية شعوبها، بل لإنهاكها اقتصاديًا، وتفجيرها من الداخل، وتمهيد الطريق لمصالح إسرائيل.
نحن نتحدث عن السيادة، عن الأمن، عن وحدة العراق ومستقبله. كفّوا عن مصالحكم الفردية، وأخمدوا الفتنة قبل أن تخرج عن السيطرة.