الطفل الباكي صار له اسم الآن

الطفل الباكي صار له اسم الآن
بقلم أم لبنانية لـ «المراقب / The Observer»
على مدى عقود، حملت بيوت لبنانية كثيرة شاهدًا صامتًا على جدرانها: لوحة الطفل الباكي للفنان الإيطالي جيوفاني براغولين. طفل متجمّد في الحزن، بعينين مثقلتين بوجع يفوق عمره. كبرنا ونحن نحدّق في تلك اللوحة دون أن نعرف تمامًا لماذا كانت تقلقنا إلى هذا الحد. ربما لأننا، في مكانٍ ما، كنّا نرى أنفسنا فيها.
اليوم، صار للطفل الباكي اسم.
علي حسن جابر.
🫶علي من بلدة يانوح في جنوب لبنان، الجنوب الذي يعرف لغة الطائرات المسيّرة كما يعرف أسماء شهدائه. قبل ثلاثة أيام، أنهت طائرة إسرائيلية مسيّرة حياته، إلى جانب والده ورجلٍ آخر، بلا إنذار، بلا مساءلة، وبلا أي محاسبة. مرّ الخبر سريعًا على الشاشات. أما نحن، فلم نمرّ عليه.
لم تكن هذه جريمة معزولة. بل هي امتداد لعقيدة تتعامل مع الحياة اللبنانية على أنها فائضة عن الحاجة، ومع الطفولة على أنها تفصيل قابل للتفاوض. العقيدة نفسها التي انتهكت أجواءنا، ودمّرت قرانا، واغتالت قادتنا، ثم طالبتنا أن نفسّر حزننا للعالم بهدوء.
وجه علي—الذي ظهر للحظات قبل أن يُدفن تحت ركام الأخبار—يفرض مواجهة طالما تهرّب منها المجتمع الدولي: كم طفلًا يجب أن يُقتل قبل أن تُسمّى الجرائم الإسرائيلية باسمها الحقيقي؟
🫶كأم لبنانية، لا أعيش هذه الخسارة كتحليل سياسي مجرّد. أعيشها في الجسد. في القلق الذي يشتدّ مع مرور الطائرات. في ذاكرة أولاد آخرين، وأسماء أخرى، وصور تشبه صورة علي.
يأتي هذا الحزن في وقت يرزح فيه لبنان تحت خسارات سياسية عميقة. غياب شخصيات بحجم السيد حسن نصرالله ليس غيابًا تكتيكيًا فقط، بل غياب رمزي أيضًا. بالنسبة لكثيرين في الجنوب، كان يمثّل الاستمرارية، والردع، والضمانة بأن دماء أبنائنا لا تُنسى، وأن أسماءهم لا تذوب في الصمت.
إسرائيل تدرك ذلك. ولهذا تستهدف عنفها الرموز كما تستهدف الأجساد. تستهدف الآباء كما تستهدف المقاومين. وتستهدف الأطفال لأنها تعرف أن كسر الذاكرة هو محاولة لكسر المستقبل.
لكن التاريخ يقول غير ذلك.
في لبنان، وفي هذه المنطقة، الذاكرة لا تتلاشى. بل تتراكم. تتصلّب. وتتحوّل إلى وعي سياسي. مقتل علي لن ينتج خضوعًا، بل أسئلة. ورفضًا. وجيلًا يفهم باكرًا من المستفيد من صمته، ومن الخائف من ذاكرته.
كان الطفل الباكي في لوحة براغولين حزنًا بلا اسم. أما علي حسن جابر، فهو جريمة موثّقة. وبين الصورتين، حقيقة لم تستطع إسرائيل ولا حلفاؤها محوها: كل طفل يُقتل تحت الاحتلال يتحوّل إلى لائحة اتهام لا يسقطها الزمن.
اليوم، يبكي أطفال لبنان وفلسطين والعالم على علي. لا فقط حزنًا، بل إدراكًا. وهذه الدموع—التي لا تراها المسيّرات ولا يصغي إليها الدبلوماسيون—تصنع مستقبلًا لا تستطيع الصواريخ التحكّم به بالكامل.
كانت حياة علي قصيرة. لكن اسمه دخل التاريخ.
والتاريخ في هذه المنطقة… لا ينسى لأن بيننا وبينهم جبالُ جثث، وأنهار حقد، ودمٌ ودمٌ ودم، وثأر طويل... ربوا الحقد كي يتجلى لنا إحسان الثأر، احفظوا الوجوه وأحسنوا الثأر. يا مدرك الثارات