موائد "دار الفتوى": بروتوكولات العجز وصراع الوكالة

موائد "دار الفتوى": بروتوكولات العجز وصراع الوكالة
حين تسقط الأقنعة السياسية، تتحول الموائد "الروحية" إلى ساحات تصفية حسابات ضيقة. إن إرسال السفارة السعودية وفداً أمنياً لترسيم "حدود الجلوس" للسفير وليد بخاري في إفطار دار الفتوى، لضمان ابتعاده عن سعد الحريري، ليس مجرد إجراء بروتوكولي؛ بل هو إعلان صريح عن انكسار "الأبوية" السعودية تجاه زعامة لم تعد تلبّي شروط المرحلة.
الأبعاد الإستراتيجية والاجتماعية:
• تشظي المكون السني: هذا المشهد يكرّس حالة اليتم السياسي التي فُرضت على الطائفة السنية في لبنان. فبينما يتمسك "الشارع" بالحريري كرمز (رغم كل سقطات المرحلة)، تصر الرياض على "تأديبه" عبر عزلٍ مهين يتجاوز الدبلوماسية إلى الشخصنة.
• فراغ الزعامة: العداء السعودي للحريرية السياسية لا يقدم بديلاً، بل يترك الساحة عرضة للتمزق بين مشاريع صغيرة (مخزومي، السنيورة، وغيرهم) لا تمتلك القدرة على موازنة المعادلة الوطنية، مما يضعف المكون السني كشريك أساسي في "تفاهمات الضرورة".
• تحول الوظيفة: لم تعد السفارة في بيروت "خيمة" جامعة، بل أصبحت "غرفة عمليات" للفرز والإقصاء. هذا السلوك يعزز قناعة المحور بأن المراهنة على الخارج ليست سوى استبدال للاستقلال بالتبعية المهينة.
تاريخياً، لم يستمر في لبنان إلا من تجذّر في أرضه بقرار سيادي. أما من ينتظر إشارة الجلوس أو الوقوف من وراء الحدود، فسيجد نفسه خارج الطاولة حين تتسارع عجلة التاريخ.
#لبنان #دارالفتوى #سعدالحريري #المحور #السيادةاللبنانية
زلزال في هندسة الإقليم: القاهرة وطهران تكسران قيود العقود
في لحظة تتسارع فيها حركة التاريخ وتتهاوى فيها جدران العزل، يأتي الإعلان عن استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين طهران والقاهرة ليعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط. هذا ليس مجرد إجراء "بيروقراطي" لتبادل السفراء، بل هو سقوط لآخر قلاع "كامب ديفيد" النفسية التي حاولت عزل مصر عن عمقها الإقليمي وتطويق إيران بجدار عربي.
الأبعاد الإستراتيجية للمواجهة:
• كسر الطوق: التقارب الإيراني-المصري يعني فعلياً وأد مشروع "الناتو العربي" الصهيوني. حين تلتقي أكبر قوة ديموغرافية وعسكرية في القارة الأفريقية مع رأس حربة المقاومة في آسيا، فإن أمن الممرات المائية—من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس—يصبح شأناً إقليمياً بامتياز، بعيداً عن الوصاية الأمريكية.
• الوساطة والسيادة: نجاح القاهرة في التوسط بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) في "اتفاق القاهرة" (سبتمبر 2025) أثبت أن الحلول الإقليمية هي البديل التاريخي للهيمنة الغربية.
• محور المقاومة والعمق السني: إن هذا التقارب يسحب البساط من تحت أقدام المتاجرين بالفتنة الطائفية. التاريخ يخبرنا أن قوة المحور تضاعفت حين تحركت القاهرة وطهران في مدار واحد خلال الستينات؛ واليوم، يعيد التاريخ إنتاج نفسه بوعي إستراتيجي أعمق، حيث تدرك مصر أن أمنها القومي يمر عبر التفاهم مع القوى الصاعدة وليس عبر التبعية للمشاريع الآفلة.
القدس وبيروت وصنعاء وبغداد تراقب اليوم مشهداً جديداً: القاهرة لم تعد "خارج المعادلة"، وطهران لم تعد "محاصرة".
#محورالمقاومة #إيران #مصر #السيادةالإقليمية #التاريخيتسارع
أبواق الردة: "مثال الآلوسي" واستعراض العجز الصهيوني في بغداد
في سقطة أخلاقية ووطنية جديدة، يطل المدعو "مثال الآلوسي" عبر منبر قناة الرشيد ليعيد تدوير أوهام "السلام" مع كيان غاصب يلفظ أنفاسه الإستراتيجية. إن حديثه عن "حلف واحد" مع الصهاينة ليس مجرد رأي سياسي، بل هو جريمة موصوفة بموجب قانون "تجريم التطبيع" الذي أقره البرلمان العراقي (أيار 2022)، والذي ينص على عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد لكل من يتواصل مع الكيان.
الحقائق والتحليل الإستراتيجي:
• تحدي القانون والسيادة: يراهن الآلوسي ومن خلفه على حماية "أمريكية" واهمة، متجاهلاً أن الإجماع الوطني العراقي—الشعبي والمؤسساتي—حسم الهوية الوطنية للعراق كجزء أصيل من محور المواجهة.
• توقيت الاستفزاز: يأتي هذا التصريح في وقت يغرق فيه الكيان الصهيوني في أزماته الداخلية وتآكل الردع أمام ضربات المقاومة. محاولة "شرعنة" الكيان من بغداد هي محاولة يائسة لترميم صورة مهتزة لـ "إسرائيل" العظمى التي سقطت تحت أقدام المقاتلين.
• سقوط الرهان: التاريخ العراقي لم يرحم يوماً من ارتمى في أحضان العدو. هؤلاء ليسوا سوى أدوات "بروباغندا" منتهية الصلاحية، يُراد منها قياس نبض الشارع الذي رد دائماً بشعار: "كلا كلا إسرائيل". إن العراق الذي قدم الدماء في سبيل فلسطين، لن يكون يوماً "حليفاً" لقاتل الأطفال. والسيادة التي يتحدث عنها الآلوسي لا تتحقق بالانبطاح أمام الموساد، بل بطردهم من المنطقة.
#العراق #كلاللتطبيع #محورالمقاومة #السيادةالعراقية #فلسطين
إعادة إعمار أم إعادة استثمار؟
«مجلس السلام» وإعادة تغليف الإمبراطورية كشركة مساهمة
واشنطن — لم تعد الدبلوماسية الأمريكية تتخفّى خلف شعارات التعددية. لقد خلعت القناع، وارتدت بدلة مجلس إدارة.
الاجتماع الافتتاحي لما يُسمّى بـ«مجلس السلام» لم يكن حدثًا إنسانيًا بقدر ما كان إعلانًا عن إعادة هيكلة النفوذ. العنوان الجاذب: تعهّد أمريكي بقيمة 10 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة.
للتذكير فقط: حتى مع إضافة نحو 7 مليارات دولار من تسع دول أخرى، يبقى الرقم بعيدًا جدًا عن التقديرات التي تتحدث عن 70 مليار دولار لإعادة بناء ما دُمّر. الفجوة ليست تقنية. إنها سياسية.
الخطاب يتحدث عن «عهد جديد». الهيكل يتحدث عن «صفقة جديدة».
ما يُعرض ليس إعادة إعمار. بل إعادة تصنيف أصول.
أولًا: الوهم القانوني
عشرة مليارات على الورق فقط
الدستور الأمريكي واضح: سلطة الإنفاق بيد الكونغرس. لا يُسحب دولار واحد من الخزينة دون تفويض تشريعي صريح.
أين هو هذا التفويض؟
لا يوجد في موازنة السنة المالية 2026 بند يخصص 10 مليارات دولار لكيان يُدعى «مجلس السلام». قانون الاعتمادات المجمّع يخصص قرابة 5.4 مليارات دولار فقط لكل المساعدات الإنسانية الخارجية مجتمعة. فكيف وُلد رقم العشرة مليارات؟
إما أن هناك موافقة لم تُعلن، أو أن التعهّد ليس سوى رقم سياسي يُستخدم لتحريك رأس المال الخاص، أو أننا أمام صيغة هجينة تلتف على قانون المساعدات الخارجية.
الغموض هنا ليس خللًا. بل أداة.
وإذا كان المجلس قد وُضع داخل ما بات يُعرف بـ«معهد ترامب للسلام»، فإن الرمزية ليست عفوية. الرئاسة تنتهي. المجالس الخاصة لا تنتهي. إذا خسر ترامب الانتخابات، فهل تنتهي رئاسته للمجلس؟ على الأرجح لا. لأن المنصب هنا ليس منصبًا دستوريًا، بل كرسيًا إداريًا في بنية لا تخضع لدورة انتخابية.
الديمقراطية موسمية. مجالس الإدارة دائمة.
ثانيًا: ما بعد الأمم المتحدة
«مجلس السلام» لا يُقدَّم كمكمّل للأمم المتحدة، بل كبديل أكثر «فعالية». الولايات المتحدة تموّل ما يقارب ربع ميزانية الأمم المتحدة. تعليق التمويل أو تقليصه يخلق أزمة سيولة. وفي لحظة الضعف هذه، يظهر «المجلس» كحل سريع.
السرعة مغرية. المساءلة مُكلفة.
استبعاد الأونروا والآليات الدولية من ملف إعادة الإعمار ليس إجراءً إداريًا، بل نقلًا للصلاحيات من القانون الدولي إلى غرفة اجتماعات.
وإذا كانت العضوية الدائمة في هذا المجلس مرتبطة بمساهمات مالية بمليار دولار أو أكثر، فإننا لسنا أمام نظام تمثيلي، بل أمام نظام أسهم.
في هذا النموذج، لا تُصان السيادة. تُشترى.
ثالثًا: عقيدة «الريفييرا»
الخطاب الرسمي يتحدث عن إزالة 70 مليون طن من الركام. لكن الركام لا يطفو في الهواء. إنه فوق أرض. والأرض لها مُلّاك.
الصور المتداولة لمشاريع «التطوير» — أبراج زجاجية، مراسٍ بحرية، فنادق فاخرة — تفترض مسبقًا تغييرًا ديمغرافيًا. إعادة الإعمار تعني إعادة ما كان. أما «إعادة التطوير» فتعني إعادة التصميم.
من سيحدد من يقطن في «غزة الجديدة»؟ من يمنح تصاريح السكن؟ من يقرر أن هذا الحي «قابل للاستثمار» وذاك «غير استراتيجي»؟
حين تُدار مناطق إعادة البناء تحت إشراف أمني، يصبح المؤقت دائمًا. وحين تُرسم الخرائط تحت عنوان «مناطق تطوير»، تتحول الملكية إلى بند تفاوضي.
قد تظهر «غزتان»: غزة مُنظَّفة، منزوعة السلاح، قابلة للتسويق. وغزة أخرى، تُختصر إلى فائض بشري فوق أرض مُعاد تقييمها.
الأولى تُعرض على المستثمرين. الثانية تُترك للتاريخ.
رابعًا: إمبراطورية بلا احتلال مباشر
«مجلس السلام» صيغة أنيقة. لا يحتاج إلى دبابات. يكفيه مجلس إدارة، ورأس مال، وشبكة تحالفات أمنية.
إذا بقي ترامب في البيت الأبيض، يعزّز المجلس سلطته التنفيذية. إذا غادر، يبقى المجلس منصة نفوذ مستقلة.
بهذا المعنى، نحن أمام بنية موازية للسلطة. ليست إمبراطورية تقليدية تحتل الأرض، بل إمبراطورية تُدير ما بعد الحرب. تُحوّل الدمار إلى فرصة استثمارية. وتُعيد تعريف «السلام» بوصفه استقرارًا يُسهّل حركة رأس المال.
السلام هنا ليس استعادة حقوق. بل إدارة نتائج.
التوقع الاستراتيجي
إذا نجح هذا النموذج في غزة، فلن يبقى حكرًا عليها. يمكن إطلاق «مجالس سلام» في أي ساحة صراع: السودان، أوكرانيا، أو غيرهما. الصيغة جاهزة:
1. إعلان حالة طوارئ إنسانية. 2. تركيز القيادة التنفيذية. 3. تجميع رأس المال. 4. ربط الإعمار بشروط الامتثال السياسي.
في هذا النموذج، تتحول الأرض إلى محفظة استثمارية. ويتحول السكان إلى متغير إداري.
والأخطر أن ما يُبنى ليس سلامًا، بل سابقة.
#مجلسالسلام #إعادةإعمارغزة #الإمبرياليةالتنفيذية #خصخصةالنفوذ #غزة #فلسطين