إعادة إعمار أم إعادة استثمار؟

واشنطن — لم تعد الدبلوماسية الأمريكية تتخفّى خلف شعارات التعددية. لقد خلعت القناع، وارتدت بدلة مجلس إدارة.
الاجتماع الافتتاحي لما يُسمّى بـ«مجلس السلام» لم يكن حدثًا إنسانيًا بقدر ما كان إعلانًا عن إعادة هيكلة النفوذ. العنوان الجاذب: تعهّد أمريكي بقيمة 10 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة.
للتذكير فقط: حتى مع إضافة نحو 7 مليارات دولار من تسع دول أخرى، يبقى الرقم بعيدًا جدًا عن التقديرات التي تتحدث عن 70 مليار دولار لإعادة بناء ما دُمّر. الفجوة ليست تقنية. إنها سياسية.
الخطاب يتحدث عن «عهد جديد». الهيكل يتحدث عن «صفقة جديدة».
ما يُعرض ليس إعادة إعمار. بل إعادة تصنيف أصول.
أولًا: الوهم القانوني
عشرة مليارات على الورق فقط
الدستور الأمريكي واضح: سلطة الإنفاق بيد الكونغرس. لا يُسحب دولار واحد من الخزينة دون تفويض تشريعي صريح.
أين هو هذا التفويض؟
لا يوجد في موازنة السنة المالية 2026 بند يخصص 10 مليارات دولار لكيان يُدعى «مجلس السلام». قانون الاعتمادات المجمّع يخصص قرابة 5.4 مليارات دولار فقط لكل المساعدات الإنسانية الخارجية مجتمعة. فكيف وُلد رقم العشرة مليارات؟
إما أن هناك موافقة لم تُعلن، أو أن التعهّد ليس سوى رقم سياسي يُستخدم لتحريك رأس المال الخاص، أو أننا أمام صيغة هجينة تلتف على قانون المساعدات الخارجية.
الغموض هنا ليس خللًا. بل أداة.
وإذا كان المجلس قد وُضع داخل ما بات يُعرف بـ«معهد ترامب للسلام»، فإن الرمزية ليست عفوية. الرئاسة تنتهي. المجالس الخاصة لا تنتهي. إذا خسر ترامب الانتخابات، فهل تنتهي رئاسته للمجلس؟ على الأرجح لا. لأن المنصب هنا ليس منصبًا دستوريًا، بل كرسيًا إداريًا في بنية لا تخضع لدورة انتخابية.
الديمقراطية موسمية. مجالس الإدارة دائمة.
ثانيًا: ما بعد الأمم المتحدة
«مجلس السلام» لا يُقدَّم كمكمّل للأمم المتحدة، بل كبديل أكثر «فعالية». الولايات المتحدة تموّل ما يقارب ربع ميزانية الأمم المتحدة. تعليق التمويل أو تقليصه يخلق أزمة سيولة. وفي لحظة الضعف هذه، يظهر «المجلس» كحل سريع.
السرعة مغرية. المساءلة مُكلفة.
استبعاد الأونروا والآليات الدولية من ملف إعادة الإعمار ليس إجراءً إداريًا، بل نقلًا للصلاحيات من القانون الدولي إلى غرفة اجتماعات.
وإذا كانت العضوية الدائمة في هذا المجلس مرتبطة بمساهمات مالية بمليار دولار أو أكثر، فإننا لسنا أمام نظام تمثيلي، بل أمام نظام أسهم.
في هذا النموذج، لا تُصان السيادة. تُشترى.
ثالثًا: عقيدة «الريفييرا»
الخطاب الرسمي يتحدث عن إزالة 70 مليون طن من الركام. لكن الركام لا يطفو في الهواء. إنه فوق أرض. والأرض لها مُلّاك.
الصور المتداولة لمشاريع «التطوير» — أبراج زجاجية، مراسٍ بحرية، فنادق فاخرة — تفترض مسبقًا تغييرًا ديمغرافيًا. إعادة الإعمار تعني إعادة ما كان. أما «إعادة التطوير» فتعني إعادة التصميم.
من سيحدد من يقطن في «غزة الجديدة»؟ من يمنح تصاريح السكن؟ من يقرر أن هذا الحي «قابل للاستثمار» وذاك «غير استراتيجي»؟
حين تُدار مناطق إعادة البناء تحت إشراف أمني، يصبح المؤقت دائمًا. وحين تُرسم الخرائط تحت عنوان «مناطق تطوير»، تتحول الملكية إلى بند تفاوضي.
قد تظهر «غزتان»: غزة مُنظَّفة، منزوعة السلاح، قابلة للتسويق. وغزة أخرى، تُختصر إلى فائض بشري فوق أرض مُعاد تقييمها.
الأولى تُعرض على المستثمرين. الثانية تُترك للتاريخ.
رابعًا: إمبراطورية بلا احتلال مباشر
«مجلس السلام» صيغة أنيقة. لا يحتاج إلى دبابات. يكفيه مجلس إدارة، ورأس مال، وشبكة تحالفات أمنية.
إذا بقي ترامب في البيت الأبيض، يعزّز المجلس سلطته التنفيذية. إذا غادر، يبقى المجلس منصة نفوذ مستقلة.
بهذا المعنى، نحن أمام بنية موازية للسلطة. ليست إمبراطورية تقليدية تحتل الأرض، بل إمبراطورية تُدير ما بعد الحرب. تُحوّل الدمار إلى فرصة استثمارية. وتُعيد تعريف «السلام» بوصفه استقرارًا يُسهّل حركة رأس المال.
السلام هنا ليس استعادة حقوق. بل إدارة نتائج.
التوقع الاستراتيجي
إذا نجح هذا النموذج في غزة، فلن يبقى حكرًا عليها. يمكن إطلاق «مجالس سلام» في أي ساحة صراع: السودان، أوكرانيا، أو غيرهما. الصيغة جاهزة:
1. إعلان حالة طوارئ إنسانية. 2. تركيز القيادة التنفيذية. 3. تجميع رأس المال. 4. ربط الإعمار بشروط الامتثال السياسي.
في هذا النموذج، تتحول الأرض إلى محفظة استثمارية. ويتحول السكان إلى متغير إداري.
والأخطر أن ما يُبنى ليس سلامًا، بل سابقة.
#مجلسالسلام #إعادةإعمارغزة #الإمبرياليةالتنفيذية #خصخصة_النفوذ #غزة #فلسطين