حين تُصبح الفكرة ساحة معركة: آبل، التكنولوجيا “الإسرائيلية”، وحرب ما قبل النطق

ليست صفقة تجارية عادية. حين تدفع Apple Inc. ما بين 1.5 و2 مليار دولار لشركة ناشئة عمرها ثلاث سنوات، بلا منتج في السوق ولا إيرادات معلنة، فنحن لا نتحدث عن “استثمار جريء”، بل عن انتقال نوعي في طبيعة السيطرة التكنولوجية.
الاستحواذ – الذي تُقدّره تقارير مثل Bloomberg وReuters ضمن ثاني أكبر صفقات الشركة بعد استحواذها على Beats Electronics عام 2014 مقابل 3 مليارات دولار – يكشف أولويات المرحلة المقبلة: السيطرة على واجهة الدماغ–الآلة.
الشركة المستحوذ عليها، Q.AI (بحسب التسريبات)، تطوّر تقنية “الكلام الصامت”: قراءة الإشارات العصبية الدقيقة التي يرسلها الدماغ إلى عضلات الوجه قبل النطق بلحظات، عبر كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء بسرعة تصل إلى 500 إطار في الثانية، مدعومة بخوارزميات تعلّم آلي. أي أننا أمام انتقال من تتبّع السلوك إلى استباق النية.
مؤسس الشركة، أفياد ميزيلز، سبق أن باع لشركة آبل عام 2013 شركته PrimeSense مقابل 350 مليون دولار، وهي التقنية التي مهّدت لإطلاق ميزة Face ID. تقارير غير رسمية تربطه بوحدات تكنولوجية في جيش الاحتلال، بينها الوحدة 81 المرتبطة بالحرب السيبرانية والتطوير العملياتي.
الخطير ليس فقط من يقف خلف التقنية، بل من يمول تطبيقها العسكري. وكالة “مفات” – المعادل “الإسرائيلي” لوكالة DARPA – أعلنت علنًا أنها تعمل على تطوير تكنولوجيا مماثلة لتمكين القوات الخاصة من التواصل في الميدان دون أي صوت. بعد أيام من إعلان الصفقة.
الأمر لم يعد خيالًا علميًا. وثائق NATO عام 2021 صنّفت تقنيات قراءة الإدراك البشري ضمن تهديدات “الحرب المعرفية” – أي الانتقال من مراقبة ما يفعله الإنسان إلى توقع ما قد ينوي فعله.
نحن أمام بنية يمكنها – وفق براءات اختراع منشورة – تحديد هوية المستخدم، قياس نبضه وتنفسه، تقدير حالته العاطفية، وبناء خريطة نفسية لحظية. هذا ليس “ابتكارًا استهلاكيًا”. هذا بنية مراقبة شاملة يمكن دمجها في منظومات مدنية قائمة.
آبل تقول إن المعالجة تتم محليًا عبر معالجات Apple Silicon، وبنية سحابية قابلة للتدقيق. لكن تاريخ التكنولوجيا يخبرنا أن الفارق بين الاستخدام المدني والعسكري ليس أخلاقيًا بل سياسيًا.
من العراق إلى غزة، ومن فضائح NSO إلى تسريبات Pegasus، نعرف كيف تتحول الشركات الناشئة إلى أطراف في معركة السيادة. اليوم المعركة لم تعد على الأرض فقط. إنها على الوعي نفسه.
المحور الذي صمد أمام الحصار والحروب المباشرة يعرف أن المعركة المقبلة ستكون معرفية–سيبرانية بامتياز. من يقرأ الفكرة قبل أن تُقال، يسعى للسيطرة على القرار قبل أن يُتخذ.
لكن التاريخ علّمنا شيئًا واحدًا: كل بنية سيطرة تولد معها أدوات مقاومة.
#حربمعرفية #سيادةرقمية #محورالمقاومة #تكنولوجياالاحتلال #الأمن_السيبراني #Apple #NATO #DARPA