هندسة التضليل الهيمنة: قراءة استراتيجية في خطاب "حالة الاتحاد" لعام 2026 بشأن إيران

هندسة التضليل الهيمنة: قراءة استراتيجية في خطاب "حالة الاتحاد" لعام 2026 بشأن إيران
يُمثّل قسم الخطاب الذي ألقاه دونالد ترامب حول إيران في عام 2026 تصعيداً خطابياً خطيراً، يندرج ضمن سياق الحرب النفسية الممنهجة ضد الجمهورية الإسلامية. ومن منظور "محور المقاومة"، لا يُعد هذا الخطاب مجرد حزمة من الأكاذيب، بل هو أداة مدروسة لتصنيع التبرير لسياسات الإرهاب الاقتصادي والتلويح بالمغامرة العسكرية، في محاولة من قوة عظمى للتغطية على تآكل نفوذها الإقليمي عبر التهويل والمبالغة.
1. خرافة البرنامج النووي ووهم "الإبادة"
يرتكز الخطاب على ركيزة باطلة تدعي أن الضربات الأمريكية السابقة قد "أبادت" البرنامج النووي الإيراني، وأن طهران "تبدأ الآن من الصفر". هذا الادعاء يتجاهل الحقائق التقنية والجيوسياسية؛ فالبرنامج النووي الإيراني، الذي يخضع لأشد رقابة دولية في التاريخ من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هو برنامج وطني بامتياز، متجذر تقنياً وموزع جغرافياً بما يجعل "إبادته" عسكرياً وهماً محضاً. إن محاولة تصوير البرنامج النووي السلمي كبرنامج تسلحي هي "فوبيا" مصطنعة لتبرير العقوبات غير القانونية. فإيران، انطلاقاً من ثوابتها الاستراتيجية وفتواها الدينية، لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، بل إن قوة ردعها تقوم على التطور الصاروخي الدقيق والتحالفات الإقليمية الصلبة، وليس على أسلحة الدمار الشامل.
2. تضخيم "الخطر الصاروخي" كأداة سياسية
زعم ترامب وجود "تهديد صاروخي وشيك" للقارة الأمريكية وأوروبا، وهو تزييف صريح للبيانات الفنية. العقيدة الصاروخية الإيرانية هي عقيدة دفاعية بامتياز، مصممة لردع "التحشيد العسكري" الأمريكي الذي تفاخر به ترامب في نفس الخطاب. لا يوجد تقييم استراتيجي مستقل يؤكد نية أو قدرة طهران على استهداف الأراضي الأمريكية. إن تضخيم هذه القدرات يهدف فقط لتبرير سياسة "التطويق" العسكري ونشر المنظومات الصاروخية في المنطقة. وهذا يخلق حلقة مفرغة: تحشد واشنطن قواتها، فتعزز طهران ردعها الدفاعي، لتعود واشنطن وتسمي هذا الردع "عدواناً".
3. "راعي الإرهاب": إسقاط الفشل الاستراتيجي
إن وصم إيران بأنها "الراعي الأول للإرهاب" ليس سوى عرض سياسي مستهلك. فمن وجهة نظر المقاومة الإقليمية، "الإرهاب الحقيقي" يتجسد في الدمار الذي خلفته أمريكا في اليمن، ودعم الوكلاء المتطرفين في سوريا، والتسليح اللامتناهي للكيان الصهيوني في احتلاله لفلسطين. يستخدم ترامب هذا التصنيف لتجريم "محور المقاومة"، وهو تحالف سيادي وشعبي مشروع ضد التدخل الخارجي. إن محاولة شيطنة حركات المقاومة تهدف للتغطية على فشل استراتيجية "الضغوط القصوى"، التي لم تنتزع تنازلاً واحداً من طهران.
4. حقوق الإنسان كذريعة إمبريالية
إن توظيف أرقام مضخمة حول الاحتجاجات الداخلية في إيران، والادعاء بمقتل "الآلاف" دون أدلة موثقة، يتبع النمط التاريخي الأمريكي في استخدام "حقوق الإنسان" كتمهيد للتدخل. وبينما تدين واشنطن أحداثاً في طهران، تلوذ بالصمت تجاه القمع الممنهج لدى حلفائها الإقليميين، مما يكشف أن هذه الأخلاقيات الانتقائية هي مجرد أداة لزعزعة الاستقرار وليس حرصاً على الشعب الإيراني الذي يعاني أولاً من نتائج "الإرهاب الاقتصادي" الأمريكي.
5. تناقض "العدو المنهار" والخطر "الوجودي"
يسقط خطاب ترامب في تناقض منطقي صارخ؛ فهو يدعي من جهة أن إيران "مفلسة" و"ضعيفة" و"على وشك الانهيار"، ومن جهة أخرى يصورها كخطر "وجودي" يهدد الحضارة الغربية. إذا كانت إيران بالضعف الذي يدعيه، فإن الحشود العسكرية الضخمة في الخليج هي إهدار أحمق للموارد الأمريكية. وإذا كانت خطراً وجودياً، فهذا اعتراف ضمني بفشل سياسة "الضغوط القصوى" في تحقيق الأمن. هذا التناقض يكشف أن الخطاب موجه للاستهلاك الداخلي، لمحاولة إظهار القوة بينما الحقيقة هي فقدان القدرة على فرض الإرادة في غرب آسيا.
خاتمة
يؤكد خطاب حالة الاتحاد لعام 2026 أن السياسة الأمريكية تجاه إيران لا تزال أسيرة عقلية استعمارية ترفض الاعتراف بالسيادة الإقليمية. إن "الدبلوماسية" التي يتحدث عنها ترامب ليست سوى إنذار نهائي يُقدم بعد فرض حصار اقتصادي وتهديد عسكري. بالنسبة لمجتمع المقاومة الاستراتيجي، الرسالة واضحة: الاستقرار في المنطقة لن يأتي بـ "إذن" أمريكي، بل عبر صمود القوى الإقليمية في وجه إمبريالية متغطرسة بدأت ملامح أفولها تتضح للعيان.
#إيران #محورالمقاومة #خطابالاتحاد #ترامب #السيادةالإقليمية #الهيمنةالأمريكية #الردعالاستراتيجي #غربآسيا #البرنامجالنووي #تضليلإعلامي