دفتر حسابات التنين: الاستنزاف بالوكالة وظلال الهادي القادمة

الاستغلال الاستراتيجي للتصعيد في الشرق الأوسط يعمل كاختبار إجهاد حركي لمخزونات الذخيرة الأمريكية، مما يشير إلى تحول تصبح فيه مقاومة غرب آسيا سنداناً لصراع القوى العظمى.
يقول الحكماء في لعبة "الويكي" الصينية القديمة (لعبة الجو): "المخطط البارع لا يسعى لتحطيم قطع الخصم فوراً، بل يعمل على تطويقه ببطء، وتضييق الخناق عليه حتى يستنزف موارده في محاولات يائسة للحفاظ على جبهات متعددة". إن الانتصار دون قتال يتطلب استدراج العدو لإنفاق قوته على الظلال، بينما يستعد سيد الطاولة للضربة القاضية في الوقت والمكان المناسبين.
الافتتاحية التنفيذية: نهاية الهيمنة غير المرئية يُعد نشر صور الأقمار الصناعية الصينية مؤخراً، والتي تضمنت بيانات دقيقة لكل طائرة من طراز F-22 Raptor في قاعدة "عوفدا" الجوية الإسرائيلية، خرقاً جوهرياً للأمن العملياتي. هذه الصور، التي وُسمت باللغة الصينية بدقة متناهية، تفعل ما هو أكثر من مجرد تحديد الطائرات؛ إنها تسقط هالة "التخفي" التي كانت الركيزة الأساسية للعقيدة الجوية الأمريكية لعقود. بالتزامن مع ذلك، فإن تزويد طهران بصواريخ CM-302 فوق الصوتية المضادة للسفن، والتعقب الدقيق لتحركات السفن الحربية في البحرين، يشير إلى جهد استخباراتي منسق. تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه محادثات جنيف شللاً ديبلوماسياً، حيث تبدو واشنطن وكأنها تبحث عن "هيكل للمسؤولية القانونية"؛ أي دفع "إسرائيل" للمبادرة بالضربة الأولى ضد إيران، لتوفير غطاء سياسي لتدخل أمريكي بصفة "دفاعية".
الخلفية السياقية: معضلة المسرحين تاريخياً، حافظت الولايات المتحدة على عقيدة "حربين في آن واحد"، بهدف امتلاك القدرة على خوض والانتصار في صراعين إقليميين كبيرين متزامنين. ومع ذلك، فإن حقبة ما بعد الحرب الباردة، وتراجع القاعدة الصناعية الدفاعية، والانخراط في "الحروب الأبدية" في الشرق الأوسط، أدت إلى تآكل شديد في قدرات الاستجابة الأمريكية. إن السلوك الصيني الحالي يجد جذوره في عقيدة الحرب الباردة المتمثلة في "إسالة دماء" الخصم عبر صراعات هامشية. واليوم، تبادلت الأدوار؛ حيث تراقب بكين كيف يمكن استغلال "التحالف العضوي" بين واشنطن وتل أبيب لإجبار الولايات المتحدة على الدخول في مستنقع يستهلك مخازن ذخائرها قبل إطلاق رصاصة واحدة في بحر الصين الجنوبي.
التحليل الاستراتيجي: حسابات الاستنزاف تعتمد الرؤية السائدة في البنتاغون على أن قيام "إسرائيل" بالضربة الأولى هو الخيار الأفضل سياسياً. هذه ليست استراتيجية عسكرية بل بحث عن شرعية محلية ودولية. فمن خلال ترك "إسرائيل" تضغط على الزناد، تأمل واشنطن في صياغة دخولها الحرب كفعل دفاعي نابع من التزامات التحالف. لكن الحقيقة الاستراتيجية تفرضها خطوط الإنتاج لا منصات الخطابة. فكل قنبلة JDAM تسقط على المنشآت الإيرانية، وكل صاروخ كروز من طراز "توماهوك" يُستهلك في ضرب أهداف محصنة في "فوردو" أو "أصفهان"، يمثل وحدة قوة تُسحب من مسرح مضيق تايوان. تعامل الصين الشرق الأوسط كمختبر لقياس معدل نضوب الذخيرة الأمريكية. في هذا المشهد، تبدو إيران كـ "طُعم" صُمم لتثبيت الانتباه والموارد الأمريكية في الصحراء، بينما يظل "الهدف الأسمى" — وهو إعادة صياغة النظام في المحيط الهادي — هو محور تركيز التنين.
الأدلة والتوثيق: أزمة المخزونات الاستراتيجية يستند هذا التحليل إلى وقائع ومعطيات مؤسسية:
• معدل استهلاك الذخيرة: تشير تقارير شبكة فوكس نيوز ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن الولايات المتحدة قد تستنفد مخزونها من الصواريخ المضادة للسفن والذخائر الموجهة بدقة في أقل من أسبوع في حال نشوب صراع عالي الكثافة حول تايوان.
• الخرق العملياتي: يمثل توزيع صور طائرات F-22 عبر منصة "ويبو" عملية نفسية تهدف لإيصال رسالة للأطراف الإقليمية بأن "الاختفاء" الأمريكي بات جزءاً من الماضي.
• تسليح الخصوم: تزويد إيران بصواريخ CM-302 يمنحها القدرة على تحدي مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية، مما يضطر واشنطن لتخصيص المزيد من الصواريخ الاعتراضية للدفاع عن قطعها البحرية.
الموقف والحجة: الفخ الأخلاقي والاستراتيجي من منظور قوى المقاومة والمؤيدين لعالم متعدد الأقطاب، تبدو الاستراتيجية الأمريكية حالة من اليأس العميق. فمن خلال محاولة استخدام "إسرائيل" كوكيل لإشعال فتيل صراع إقليمي، تقامر واشنطن بمكانتها العالمية. إن الوضوح الأخلاقي هنا يكمن في إدراك أن إمبراطورية في طور الأفول تحاول الحفاظ على هيمنتها عبر تدمير المنافسين الإقليميين، لتجد نفسها وقد تفوق عليها خصم دولي يحافظ على قوته. المنطق الاستراتيجي واضح: الولايات المتحدة لا تملك رفاهية خوض الحرب التي تُستدرج إليها حالياً، فهي تختار "نصراً" تكتيكياً في غرب آسيا مقابل خسارة استراتيجية نهائية في المحيط الهادي.
تقييم مستقبلي: عتبة النضوب**