بين تعهدات الحكومة وغدر المسيّرات: قصة "الهدنة الصعبة" لكتائب حزب الله

في خضم "حرب الإسناد" لقطاع غزة، شهدت الساحة العراقية تصعيداً غير مسبوق وضع الحكومة العراقية في اختبار حقيقي بين ضغوط واشنطن والتزامات الفصائل المسلحة. وفي قلب هذا المشهد، برزت كتائب حزب الله كلاعب محوري، خاضت صراعاً مزدوجاً؛ عسكرياً في الميدان، وسياسياً عبر مفاوضات شاقة مع بغداد.
ضربة "البرج 22": النقطة التي غيرت قواعد اللعبة
كانت العمليات ضد القواعد الأمريكية تسير بوتيرة متصاعدة، لكن الضربة التي استهدفت القاعدة الأمريكية على الحدود الأردنية (البرج 22) شكّلت زلزالاً سياسياً. أسفرت الضربة عن مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة نحو 34 آخرين، مما دفع الإدارة الأمريكية لممارسة ضغوط قصوى على الحكومة العراقية لإيقاف هذه الهجمات فوراً.
تعهدات الحكومة: خروج القوات مقابل التهدئة
أمام هذا الضغط، دخلت الحكومة العراقية في مفاوضات مباشرة مع قيادة كتائب حزب الله. وبناءً على معلومات دقيقة، قدمت الحكومة تعهداً صريحاً للأمين العام للكتائب يقضي بالعمل الجاد والنهائي على إخراج القوات الأمريكية من العراق وإيقاف اعتداءاتها، مقابل تعليق العمليات العسكرية ضد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا والأردن. وبالفعل، واستجابةً لهذا التعهد الحكومي ومنعاً لإحراج الدولة العراقية، أعلنت الكتائب إيقاف عملياتها، منتظرةً من الجانب الأمريكي والطرف الحكومي تنفيذ الوعود.
الاغتيال الغادر: رحيل "أبو باقر الساعدي"
بينما التزمت الكتائب بالهدنة، جاء الرد الأمريكي مناقضاً لكل التفاهمات. في عملية اغتيال غادرة وسط بغداد، استهدفت طائرة مسيرة القائد العسكري الأبرز في كتائب حزب الله، الحاج "أبو باقر الساعدي". لم يكن الساعدي مجرد قائد ميداني، بل كان العصب المحرك للقدرات الجوية للكتائب، والمسؤول عن ملفات استراتيجية تشمل سوريا والبحرين، والتنسيق المباشر مع اليمن. كان اغتياله محاولة لكسر التفوق العسكري الجوي للكتائب وتقويض شبكة التنسيق الإقليمية.
الصبر الاستراتيجي: الالتزام رغم الجراح
رغم فداحة الخسارة باغتيال الساعدي، ورغم الخرق الأمريكي الواضح للهدنة، أظهرت كتائب حزب الله "صبراً استراتيجياً" لافتاً. فحافظت على تعهدها للحكومة العراقية ولم ترد على عملية الاغتيال داخل العراق، واضعةً الكرة في ملعب الحكومة لتنفيذ وعدها بإخراج القوات الأجنبية، ومثبتةً أن قرارها بالتهدئة لم يكن نابعاً من ضعف، بل من التزام بمسار سياسي وطني أطلقت الحكومة وعوده.
خاتمة تبقى حادثة اغتيال الساعدي والالتزام الذي تلاها نقطة فارقة في تاريخ الصراع "العراقي - الأمريكي"، حيث أثبتت الأيام أن الالتزام كان من طرف واحد، بينما بقي الجانب الأمريكي يمارس سياسة الاغتيالات متجاوزاً السيادة العراقية وكل التعهدات السياسية.
**