ظلال "البربارة" تعود: حين تصير الدبلوماسية خنجراً في خاصرة المقاومة

✍️ زينب مهنا
لا مفاجآت. فقط سقوط متواصل في حفرة التبعية.
في 24 آذار 2026، قرر وزير الخارجية يوسف رجي أن يلعب دور "البطل" على حساب لبنان، فأعلن سحب اعتماد السفير الإيراني المعين محمدرضا الشيباني، وأمهله خمسة أيام ليغادر. الذريعة؟ "تدخل في الشؤون الداخلية"، مستنداً إلى المادتين 9 و14 من اتفاقية فيينا. وكأننا أمام وزارة خارجية استيقظت فجأة على معنى السيادة.
لكن لا تنخدع. هذا المشهد لا علاقة له بالسيادة. هو أشبه بفيلم قديم نعرف نهايته: التوقيت ليس صدفة، والخطوة منسقة بالكامل مع استدعاء السفير اللبناني من طهران. الهدف واضح: خدمة أجندة "اللجنة الخماسية" والسفارة الأميركية في عوكر، بينما الجبهات مشتعلة بالدماء ضد العدو الصهيوني.
المشكلة أن هذه الحكومة لا تعرف إلا لغة الخنوع، وتظن أن طرد سفير إيران هو دليل قوة. الحقيقة أن هذا الدليل لا يُظهر إلا ضعفاً فاضحاً.
من "البربارة" إلى "الطرد الدبلوماسي": سيناريو متكرر بوجه جديد
لا يمكن فهم هذا القرار بمعزل عن ذكرى 1982 السوداء. في الخامس من تموز من ذاك العام، اختطفت ميليشيا "القوات اللبنانية" أربعة دبلوماسيين إيرانيين من حاجز "البربارة" وسلمتهم للاحتلال الإسرائيلي. اليوم، لم تعد الوزارة بحاجة إلى حواجز مسلحة؛ فقد طوّرت الأسلوب. صار الحاجز الآن قراراً وزارياً، والاختطاف تحوّل إلى "سحب اعتماد"، والتسليم للاحتلال بات يسمّى "مواكبة المجتمع الدولي".
النتيجة واحدة: عزل لبنان عن عمقه الاستراتيجي، وتجريده من أوراق قوته الوحيدة في مواجهة المشروع الصهيوني. الفرق أن أبطال الأمس كانوا في الشارع، أما اليوم فهم في القصور، ببدلات أنيقة وابتسامات إعلامية.
السيادة الانتقائية: حين يكون العيب في "صديق" لا في "سيد"
ما يثير القرف الحقيقي هو النفاق الذي يمارسه الوزير رجي وفريقه.
هذا "الحماس السيادي" المفاجئ لم يظهر عندما كانت السفيرة الأميركية تتجول بين القضاة والعسكريين وكأنها حاكمة انتداب. لم نرَ الوزير يستدعيها لسؤالها عن تدخلاتها في التعيينات العسكرية والقضائية. لم نسمع كلمة واحدة عن انتهاكاتها اليومية للسياسة اللبنانية.
لكن عندما يتعلق الأمر بإيران، فجأة يستيقظ "البطل" من سباته.
هذه هي السيادة الانتقائية: صلف مع الصديق، وجبن مع السيد. والسلطة التنفيذية برأسيها—في بعبدا والسراي الحكومي—تنفذ الأوامر بطاعة عمياء، وكأن الدولة اللبنانية تحولت إلى أداة تنفيذية في الحرب الأميركية - الصهيونية على محور المقاومة.
تداعيات لا تغيب عن العقل
المشكلة أن هذه الخطوة ليست مجرد "تصريح مستنكَر" يُنسى بعد أيام. لها تداعيات قاتلة:
أولاً: طرد سفير دولة كانت ولا تزال الوحيدة التي تقف إلى جانب لبنان في محنه، هو طعنة في ظهر المقاومة. من يدعمك بالسلاح والمال والدعم السياسي في مواجهة العدو، تكافئه بالطرد؟ هذا ليس سياسة، هذا انتحار.
ثانياً: القرار يأتي متزامناً مع دعوات رئيس الحكومة نواف سلام في باريس لاستبدال "اليونيفيل" بقوات دولية "هجينة". من لا يفهم أن هذه الخطة تمهد لفرض نزع سلاح المقاومة بقرار حكومي، فهو إما متواطئ أو ساذج. الهدف مكشوف: تفكيك جبهة الداخل أولاً، ثم تمرير مشروع التصفية.
المعايير المزدوجة: القانون حين يُستخدم وليس حين يُطبّق
يحشر الوزير رجي نفسه خلف اتفاقية فيينا، متناسياً أن الاتفاقية نفسها لم تمنعه أبداً من السكوت عن تدخلات سفراء الدول الغربية في أصغر ملفات الدولة. لم يصدر عن الوزير مذكرة استيضاح واحدة للسفيرة الأميركية أو للسفير الفرنسي أو لأي سفير من دول "الخماسي" التي تدير البلد من غرف الاجتماعات في عوكر.
الرئيس نبيه بري كان محقاً عندما قال إن القرار "لن يمر". ليس لأنه معصوم، بل لأنه يعرف أن هذه السلطة لا تمثل توافقاً وطنياً. هي تمثل وكالة خارجية بامتياز، تتنكر بثوب الحكومة.
الموقف والمرافعة: جريمة سياسية باسم الدبلوماسية لبنان اليوم، تحت سلطة تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي، يعيش انتحاراً دبلوماسياً بطيئاً.
وزير خارجية لا يجرؤ على رفع صوته أمام السفارة الأميركية، لكنه يستعرض عضلاته السيادية الوهمية أمام من يمد يد العون. جبن أمام العدو، وصلف أمام الصديق.
هذا هو العنوان العريض لهذه الحكومة.
وعجز الحكومة عن حماية لبنان من انتهاكات العدو اليومية—التحليقات، الاقتحامات، التهديدات—يجعل من انشغالها بطرد السفير الإيراني جريمة مكتملة الأركان. إنها سياسة تحارب من يدعم المقاومة، وتتساهل مع من يهدم الدولة.
ماذا بعد؟
على المدى القصير، القرار سيدخل الحكومة في مواجهة مفتوحة مع القوى الوطنية التي ترفض ارتهان الخارجية للخارج. العمل الحكومي سيصاب بالشلل، والاستحقاقات الوطنية ستتعطل أكثر.
على المدى المتوسط، إذا واصلت هذه السلطة قطع الجسور مع الحلفاء الحقيقيين، سيجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة الأطماع الإسرائيلية.
**