استحقاق الموساد: أزمة مؤسسية، وبقاء سياسي، وتفكك أسطورة جهاز الاستخبارات

«العدالة بلا قوة عاجزة؛ والقوة بلا عدالة طغيان.» — بليز باسكال
إن جهازاً استخباراتياً يعمل في السرية لا يمكن أن يكون بمنأى عن المساءلة الأخلاقية والسياسية. فالسرية درعٌ للعمليات، وليست ملاذاً من المسؤولية.
المقدمة — جهاز الاستخبارات الذي كان يُفترض أن يرى كل شيء
على مدى عقود، نجح الموساد في تكريس هالة من شبه المعرفة المطلقة. عملياته تحولت إلى جزء من الأساطير: القبض على أدولف أيخمان، عملية عنتيبي، سرقة الوثائق النووية العراقية، واغتيال علماء نوويين إيرانيين. وقد خدمت هذه السمعة إسرائيل جيداً؛ الردع عبر الغموض، والنفوذ عبر الخوف.
لكن السمعة ليست هي الواقع.
خلال اثني عشر شهراً، تعرض جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، الذي طالما حظي بسمعة استثنائية، لسلسلة من الضربات كان من شأنها أن تحطم مؤسسة أقل رسوخاً. فقد كشفت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن إخفاقات استخباراتية كارثية طالت كامل المنظومة الأمنية الإسرائيلية. كما فشلت حربٌ على جبهتين ضد إيران خلال 2025–2026 في تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة. وأُقيل مسؤولون كبار، واستقال آخرون أو أُعيد توزيع مهامهم، في ما يبدو أنه عملية تطهير قيادي متسارعة. وفي قلب كل ذلك يقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو زعيم ارتبطت هويته السياسية بصورة التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي.
لم يعد السؤال المركزي المطروح أمام المراقبين الإسرائيليين والدوليين هو ما إذا كان الموساد قد تعرض لإخفاقات. السؤال الأعمق هو:
هل يمر الموساد بأزمة مؤسسية؟ وهل يحاول بنيامين نتنياهو حماية إرثه السياسي عبر نقل مسؤولية الإخفاقات الاستخباراتية والاستراتيجية إلى المؤسسة الاستخباراتية؟
تحاول هذه الدراسة اختبار هذه الفرضية في ضوء الأدلة المتاحة، مع التمييز بين الحقائق المثبتة، والتقارير ذات المصداقية، والسرديات السياسية، والاستنتاجات التحليلية.
1. أزمة خلف الستار
تبدو الرواية السطحية وكأنها عملية انتقال مؤسسي منظمة. فقد أنهى دافيد «دادي» برنياع، الذي قاد الموساد منذ يونيو/حزيران 2021، ولايته التي استمرت خمس سنوات في يونيو/حزيران 2026، وغادر منصبه. أما خلفه، اللواء رومان غوفمان، السكرتير العسكري لنتنياهو، فقد عُيّن رسمياً في أبريل/نيسان 2026، وتولى منصبه في 2 يونيو/حزيران.
لكن خلف هذه الواجهة المؤسسية المنتظمة، لم يكن الانتقال سلساً على الإطلاق.
عارض برنياع بنشاط تعيين غوفمان. ففي مايو/أيار 2026، أرسل مدير الموساد المنتهية ولايته إلى نتنياهو نسخة من رسالة كان قد قدمها إلى المستشار القانوني للحكومة يعارض فيها مرشح رئيس الوزراء. وكان برنياع وعدد من كبار مسؤولي الموساد يفضلون مرشحاً من داخل الجهاز؛ بحجة أن جهازاً عملياتياً سرياً يجب أن يقوده شخص يعرف موظفيه وأساليبه. أما غوفمان، فجاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء، وليس من داخل الموساد.
وقد أُقر تعيينه رغم معارضة المستشار القانوني للحكومة، الذي أشار إلى عيوب أخلاقية وإجرائية مزعومة، من بينها الكشف عن أن غوفمان سمح بتسريب معلومات سرية إلى مراهق إسرائيلي يبلغ 17 عاماً في إطار عملية تأثير.
ورفضت المحكمة العليا الالتماسات المقدمة ضد التعيين، لكن ذلك حدث بفارق صوتين مقابل صوت واحد، إذ خالفت القاضية دافني باراك-إيريز رأي الأغلبية.
لم يكن هذا انتقالاً عادياً للسلطة.
لقد كان استيلاءً عدائياً على المؤسسة.
2. التطهير: من غادر الموساد ولماذا؟
تشكل التغييرات في صفوف الموظفين منذ تعيين غوفمان أكبر اضطراب قيادي في تاريخ الموساد الحديث.
نائب المدير «أ.» — يونيو/حزيران 2026
المنصب: نائب مدير الموساد
تاريخ الإقالة: 6 يونيو/حزيران 2026
التفسير الرسمي:
جزء من عملية إعادة تشكيل القيادة من جانب المدير الجديد؛ إذ قيل إن «الخطوة تأتي في إطار تولي مدير الموساد الجديد منصبه، وسعيه إلى تشكيل فريق القيادة العليا».
التفسير غير الرسمي المتداول:
كان غوفمان يوجه «ضربة استباقية» إلى «أ.»، الذي زُعم أنه كان يخطط لتنظيم تكتل داخلي ضد المدير الجديد. وكان برنياع، وفقاً للتقارير، يعتبر «أ.» خليفته المفضل.
وبحسب القناة 12، جاءت الإقالة بعد فشل الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية المتعلقة بإيران. وأشارت مصادر أخرى إلى أن القرار كان مدفوعاً بدرجة أقل بالإخفاقات العملياتية، وبدرجة أكبر بالرغبة في إحكام السيطرة على الجهاز.
الخلفية العملياتية:
خدم «أ.» لمدة 22 عاماً، وقاد شعبتين عملياتيتين، وأشرف على سلسلة من العمليات النوعية، وحصل على خمس جوائز أمنية إسرائيلية. وكان يشرف على «شعبة التأثير» في الموساد، ويقود الملف الإيراني، كما أشرف على التخطيط للعمليات ضد إيران خلال جولتين من الحرب.
التعليق العلني:
لم يصدر عنه تعليق مباشر، لكن برنياع وصف إقالته بأنها «عمل غير مسؤول» يمكن أن يؤدي إلى تعطيل عمل الموساد.
التقييم:
كانت هذه إقالة سياسية جرى تقديمها على أنها إعادة هيكلة إدارية. فالتفسير الرسمي يواجه مشكلة في المصداقية: إقالة مسؤول خدم 22 عاماً وحصل على خمس جوائز أمنية بعد أيام فقط من تولي مدير جديد منصبه ليست ممارسة اعتيادية. كما أن التوقيت ومعارضة برنياع يشيران بقوة إلى عملية تطهير لأنصار القيادة السابقة.
رئيس مديرية الاستخبارات — أغسطس/آب 2026
المنصب: رئيس مديرية الاستخبارات في الموساد
تاريخ الإقالة: 6–7 أغسطس/آب 2026
التفسير الرسمي:
إعادة هيكلة تنظيمية، وقيل إن الإقالة «تم الاتفاق عليها مع المدير الجديد».
التفسير غير الرسمي المتداول:
كان المسؤول يشغل منصبه منذ ديسمبر/كانون الأول 2025، وكان من بين مهندسي خطة عملياتية فاشلة لإسقاط النظام الإيراني. وأُقيل هو ورئيس شعبة إيران عقب إخفاقات مرتبطة بإيران.
الخلفية العملياتية:
كان مسؤولاً عن تحليل وجمع المعلومات الاستخباراتية، ولعب دوراً محورياً في تطوير الخطة العملياتية المتعلقة بتغيير النظام في إيران.
التقييم:
يبدو أن هذه الإقالة مرتبطة بصورة مباشرة بفشل الاستراتيجية الخاصة بإيران. كما أن توقيتها، في أغسطس/آب 2026، أي بعد أشهر من حرب فبراير/شباط–أبريل/نيسان 2025–2026، يوحي بأن عملية تحميل المسؤولية قد بدأت.
رئيس شعبة إيران — أغسطس/آب 2026
المنصب: رئيس شعبة إيران في الموساد
تاريخ الإقالة: 6–7 أغسطس/آب 2026
التفسير الرسمي:
إعادة هيكلة تنظيمية.
التفسير غير الرسمي المتداول:
كان أحد المهندسين المشاركين في إعداد خطة تغيير النظام الإيراني الفاشلة. وبحسب التقارير، كانت الخطة تتصور شن ضربات إسرائيلية على مواقع للحرس الثوري بالقرب من الحدود الإيرانية مع كردستان العراق، بما يسمح لجماعات كردية بدخول الأراضي الإيرانية وإطلاق موجة احتجاجات واسعة.
الخلفية العملياتية:
مسؤول عن جميع الأنشطة الاستخباراتية والعملياتية المرتبطة بإيران.
التقييم:
مثل رئيس مديرية الاستخبارات، يبدو أن إقالته مرتبطة بالفشل الاستراتيجي أكثر من ارتباطها بعدم الكفاءة الفردية.
إقالات إضافية أُبلغ عنها
ذكرت صحيفة هآرتس في 7 أغسطس/آب أن رئيس ما يسمى «مديرية التأثير» في الموساد، وهي المسؤولة عن الحرب النفسية وإجراءات الدعاية، أُقيل هو الآخر.
رد الفعل الداخلي
أثارت الإقالات ما وصفته هآرتس بأنه «أجواء من الاضطراب والاختلال» داخل الجهاز، بين المسؤولين الكبار والصغار على حد سواء.
ووفقاً لمصادر أمنية نقلت عنها هآرتس، فإن قرار غوفمان كان «خطوة جبانة تهدف إلى خدمة نتنياهو»، ومحاولة لحماية رئيس الوزراء من المسؤولية عن جهود تغيير النظام في إيران.
كما ذكرت معاريف أن «الفوضى والاضطراب» يسودان الموساد بعد الإقالات.
وأفادت تقارير بأن مسؤولين كباراً أعربوا عن نيتهم الاستقالة، معتبرين أن «حجم التدخل السياسي في إدارة الجهاز غير مسبوق».
3. نتنياهو وبرنياع وسياسة الاستخبارات
كانت العلاقة بين نتنياهو والموساد دائماً معقدة، لكن عملية الانتقال من برنياع إلى غوفمان كشفت عن شرخ أساسي.
خادم وفيّ — حتى النهاية
خدم برنياع نتنياهو بإخلاص خلال معظم فترة ولايته.
وفي حفل وداعه في 2 يونيو/حزيران 2026، أشاد برنياع بقرارات اتخذها نتنياهو. وقال إن «إيران لن تمتلك أبداً أسلحة نووية»، ودعا إلى استكمال الحملة ضد نظام طهران.
ومن جانبه، أشاد نتنياهو بإنجازات برنياع، معلناً أن «أسس هذا النظام الإرهابي في إيران قد تصدعت. ولن يعود أبداً إلى ما كان عليه».
لكن آخر فعل قام به برنياع كان فعل تحدٍّ: معارضة اختيار نتنياهو لخليفته وإرسال رسالة رسمية إلى المستشار القانوني للحكومة ضد تعيين غوفمان.
وأشارت هآرتس إلى أن برنياع «خدم نتنياهو بإخلاص وتفانٍ»، ووصفت تصريحاته بشأن قضية «قطرغيت» بأنها «هدية الوداع».
لكن حتى الولاء له حدود.
تدخل سياسي أم صلاحية مشروعة؟
السؤال المتعلق بالتدخل السياسي في تعيينات أجهزة الاستخبارات ليس جديداً.
لدى نتنياهو تاريخ طويل من محاولة تعيين أشخاص موالين له في المناصب الأمنية الحساسة. وذكرت هآرتس أن هذه كانت المرة الثالثة على التوالي التي يصر فيها رئيس الوزراء على التصرف خلافاً للتوصيات المهنية للمؤسسة الدفاعية.
ويجادل أنصار غوفمان بأن خبرته القيادية والعملياتية يمكن أن توفر منظوراً جديداً خلال فترة أمنية معقدة. كما يشيرون إلى أن رؤساء الوزراء دأبوا تاريخياً على تعيين مديري الموساد، وأن الخلفية العسكرية لغوفمان لا تجعله غير مؤهل للمنصب.
لكن الظروف استثنائية.
فكما أشارت Ynet، جاء تعيين غوفمان «في ظل ظرف غير اعتيادي تمثل في معارضة رئيس الموساد المنتهية ولايته».
وخلافاً لمعظم مديري الموساد في العقود الأخيرة، يأتي غوفمان من خارج الجهاز. وكان برنياع وعدد كبير من كبار المسؤولين يفضلون مرشحاً من داخل المؤسسة.
الحكم التحليلي
تدعم الأدلة الاستنتاج بأن نتنياهو تجاوز عمداً مؤسسة الموساد لتعيين شخصية موالية له.
هذه ليست مجرد مزاعم؛ بل حقيقة موثقة.
أما ما إذا كان ذلك يمثل تدخلاً سياسياً غير مشروع أو ممارسة لصلاحية رئيس الوزراء، فهي مسألة تخضع للتفسير السياسي والقانوني.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الخطوة تمثل خروجاً مهماً عن الأعراف المؤسسية، وقد ولدت استياءً عميقاً داخل الجهاز.
4. السابع من أكتوبر: الإخفاق الذي غيّر كل شيء
لا يمكن لأي تحليل لأزمة الاستخبارات الإسرائيلية الحالية أن يتجنب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد كان هجوم حماس — الذي مثّل أكثر الأيام دموية في تاريخ إسرائيل — أيضاً أكبر إخفاق استخباراتي في تاريخ الدولة.
ماذا حدث؟
في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اخترق مقاتلو حماس السياج الأمني المحيط بغزة، وقتلوا نحو 1200 إسرائيلي وأخذوا أكثر من 240 رهينة.
نجح الهجوم رغم التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي — أو ما كان يُعتقد أنه تفوق.
ولم يكن الفشل من مسؤولية الموساد وحده. فقد توزعت المسؤولية بين الموساد، والشاباك، وأمان (الاستخبارات العسكرية)، والجيش الإسرائيلي، والقيادة السياسية.
لكن دور الموساد كان مهماً.
تقديرات الموساد قبل السابع من أكتوبر
في كشف أحرج الجهاز بشدة، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن الموساد أصدر وثيقة تقدير مفصلة قبل أسبوعين فقط من السابع من أكتوبر، خلص فيها إلى أن حماس لا ترغب في التوتر العسكري أو المواجهة مع إسرائيل.
وكان هذا التقييم — الذي ثبت خطؤه بصورة صارخة — جزءاً من إخفاق أوسع في تفسير مؤشرات التحذير.
العمليات السرية الفاشلة في غزة
في يوليو/تموز 2026، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن الموساد أنفق مبالغ كبيرة على عمليات سرية ضد حماس في غزة خلال السنوات التي سبقت السابع من أكتوبر، وأن «جميعها انتهت بالفشل».
وبحسب التقرير، وبعد فشل هذه العمليات وانكشافها، قرر الموساد «عدم الانشغال بالقطاع».
وهذه إدانة بالغة الخطورة: عمليات الموساد السرية داخل غزة فشلت، وأدرك الجهاز محدودية قدرته داخل القطاع، ويبدو أنه استجاب عبر تقليص التركيز على غزة بدلاً من معالجة المشكلات الأساسية.
التحقيقات المستمرة
أمر غوفمان، عند توليه منصبه، وفقاً للتقارير، بإجراء تحقيق داخلي شامل في أداء الموساد خلال هجوم السابع من أكتوبر، وهي خطوة «أحدثت صدمة داخل أروقة الجهاز».
ويقال إنه لم يقتنع بنتائج التحقيقات السابقة التي أجريت خلال ولاية برنياع، ويدفع باتجاه تحقيق مستقل إضافي.
التقييم التحليلي
يمثل السابع من أكتوبر فشلاً منهجياً للاستخبارات الإسرائيلية، وليس خطأً ارتكبه جهاز واحد.
لكن إخفاقات الموساد المحددة — التقدير الخاطئ قبل الهجوم، والعمليات السرية الفاشلة، والقرار اللاحق بتقليص أولوية غزة — أصبحت من الوقائع الموثقة.
وحقيقة أن غوفمان يعيد فتح التحقيقات تشير إلى اعتقاده بأن التحقيقات السابقة لم تكن كافية، وربما لأنها كانت مقيدة سياسياً.
5. داخل الحرب الاستخباراتية ضد إيران
كانت حملة الموساد ضد إيران محور نشاطه العملياتي لأكثر من عقد.
وتحت قيادة برنياع، أفادت التقارير بأن الجهاز وسّع عملياته ضد طهران بصورة كبيرة.
ما هو معروف؟
شملت الحرب الاستخباراتية:
العمليات السيبرانية: بما في ذلك هجمات من نمط «ستاكسنت» ضد المنشآت النووية الإيرانية.
التخريب: استهداف أجهزة الطرد المركزي والمنشآت النووية وسلاسل الإمداد.
الاغتيالات: قتل علماء نوويين إيرانيين، وعلى رأسهم محسن فخري زاده عام 2020.
الاستخبارات البشرية: تجنيد عملاء إيرانيين واختراق مؤسسات إيرانية.
عمليات التأثير: استثمار الموساد بصورة واسعة في الحرب الإعلامية وعمليات التأثير الهادفة إلى خلق فجوة بين المجتمع الإيراني والدولة.
حرب 2025–2026
في فبراير/شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً ضد إيران، قيل إنها استمرت 40 يوماً.
وشملت الحرب ضربات أدت إلى اغتيال مسؤولين إيرانيين كبار، ووفقاً لقناة «برس تي في»، استهدفت إحدى الضربات مدرسة ابتدائية في ميناب، ما أدى إلى مقتل 168 طفلاً ومعلماً.
ولم يكن الهدف، وفقاً لتقارير متعددة، مجرد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل الدفع نحو انهيار النظام.
خطة تغيير النظام
وفقاً للقناة 12 الإسرائيلية، كان مسؤولو الموساد الذين أُقيلوا من بين مهندسي خطة عملياتية مكتوبة لإسقاط الجمهورية الإسلامية.
وتضمنت الخطة، وفقاً للتقارير:
ضربات إسرائيلية على مواقع للحرس الثوري بالقرب من الحدود الإيرانية مع كردستان العراق.
دخول جماعات كردية مسلحة إلى الأراضي الإيرانية وتقدمها نحو المدن الكردية.
أن تؤدي هذه التطورات إلى اندلاع احتجاجات جماهيرية ضد النظام.
وقيل إن الخطة عُرضت على الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكانت التوقعات أن تؤدي الضغوط الأولية إلى إشعال احتجاجات داخلية واسعة، تنتهي في نهاية المطاف بانهيار الجمهورية الإسلامية.
ماذا حدث فعلياً؟
«فشلت الاستراتيجية بصورة كبيرة في أن تتحول إلى واقع».
ووفقاً للتقارير، جاءت مسارات التطورات الميدانية مخالفة للتوقعات الأولية.
فبدلاً من اندلاع انتفاضات واسعة، أدت الهجمات الخارجية إلى «تعزيز التضامن الوطني بين قطاعات مختلفة من المجتمع الإيراني».
وفي وقت لاحق، رفضت إدارة ترامب التوقعات الإسرائيلية بأن الحكومة الإيرانية كانت على وشك الانهيار؛ كما وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية ووزير الخارجية الأميركيان توقعات نتنياهو بشأن «تغيير النظام» بأنها «سخيفة» و«هراء».
التقييم التحليلي
لم يكن هذا مجرد إخفاق استخباراتي.
لقد كان سوء تقدير استراتيجياً من أعلى مستوى، وسوء قراءة جوهرية للمجتمع الإيراني، ولقدرة النظام على الصمود، وللتأثير المعاكس الذي يمكن أن يسببه العدوان الخارجي.
وحقيقة أن مسؤولي الموساد ونتنياهو وإدارة ترامب يبدو أنهم اشتركوا في هذا التقدير الخاطئ تشير إلى تفكير جماعي أكثر مما تشير إلى مجرد عدم كفاءة فردية.
6. شبكات الموساد في إيران: اختراق أم تمدد مفرط؟
تتمثل إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الحرب الاستخباراتية في وضع شبكات التجسس الإسرائيلية داخل إيران.
عمليات مكافحة التجسس الإيرانية
أعلنت السلطات الإيرانية عن اعتقال عدد كبير من العملاء المرتبطين بالموساد:
في يونيو/حزيران 2025، أعلنت الشرطة الإيرانية اعتقال خمسة جواسيس وعملاء لـ«الكيان الصهيوني».
وفي وقت لاحق من يونيو/حزيران 2025، أفادت تقارير باعتقال أكثر من 700 جاسوس مرتبطين بالموساد في أنحاء إيران.
في يوليو/تموز 2025، اعتُقل عميلان آخران مرتبطان بالموساد في محافظة خراسان الشمالية.
في أغسطس/آب 2025، أعلن الحرس الثوري تفكيك خلية مرتبطة بالموساد في محافظة خراسان رضوي واعتقال ثمانية عناصر.
في أغسطس/آب 2026، أعدمت إيران رجلين أُدينا بتقديم معلومات استخباراتية للموساد خلال صراعي 2025 و2026.
ماذا تعني هذه الأرقام؟
إن ادعاء اعتقال «أكثر من 700» شخص صادر عن وسائل إعلام رسمية إيرانية، وينبغي التعامل معه بحذر؛ إذ تملك إيران مصلحة في تضخيم نجاحاتها في مجال مكافحة التجسس.
لكن نمط الاعتقالات المعلن عنها في محافظات وفترات زمنية متعددة يشير إلى قدرة إيرانية مستمرة على اكتشاف الشبكات الإسرائيلية وتعطيلها.
المنافسة في مجال مكافحة التجسس
تشير الأدلة إلى أن إيران طورت قدرات مهمة في مجال مكافحة التجسس.
فالقدرة على اعتقال عملاء يُزعم ارتباطهم بالموساد بصورة متكررة تشير إلى:
اختراق شبكات التجنيد الإسرائيلية.
قدرات مراقبة تقنية.
وجود استخبارات بشرية داخل المؤسسات الإيرانية قادرة على كشف المخبرين.
قدرات فعالة على استجواب العملاء المعتقلين واستغلال المعلومات التي بحوزتهم.
التقييم التحليلي
من شبه المؤكد أن الموساد حقق نجاحات تكتيكية داخل إيران — عمليات محددة، واغتيالات محددة، والحصول على معلومات استخباراتية محددة.
لكن الأدلة على تكرار الاعتقالات الإيرانية تشير إلى أن بعض الشبكات الإسرائيلية تعرضت للاختراق بصورة منتظمة.
وهذا لا يعني أن الموساد «فشل» في إيران.
لكنه يعني أن الحرب الاستخباراتية تحولت إلى صراع يفهم فيه الطرفان بصورة متزايدة أساليب الطرف الآخر، وأن العمليات الاستعراضية قد تأتي أحياناً على حساب انكشاف الشبكات.
7. سؤال تغيير النظام
السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الاستخبارات والقيادة السياسية الإسرائيلية قد اعتقدتا فعلاً أن العمليات السرية والضغط العسكري والاقتصادي يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام في إيران، ولماذا لم يتحقق هذا التوقع.
الأدلة على توقعات تغيير النظام
تؤكد مصادر متعددة أن تغيير النظام كان هدفاً استراتيجياً.
فقد ذكرت القناة 12 أن المسؤولين الذين أُقيلوا كانوا من مهندسي خطة تهدف إلى «إسقاط الجمهورية الإسلامية».
كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن برنياع أقنع نتنياهو بأن الصراع يمكن أن يشعل تمرداً داخل إيران.
أما نتنياهو نفسه، فأعلن خلال حفل وداع برنياع أن «أسس هذا النظام الإرهابي في إيران قد تصدعت».
لماذا لم يحدث تغيير النظام؟
هناك عدة عوامل تفسر الفشل:
1. صمود الدولة الإيرانية
نجت الجمهورية الإسلامية من الحروب والعقوبات والاحتجاجات الداخلية لأكثر من أربعة عقود.
2. القومية
غالباً ما تؤدي الهجمات الخارجية إلى تعزيز التضامن الوطني بدلاً من تقويضه.
3. قدرات الحرس الثوري
طورت المؤسسة قدرات متقدمة في مكافحة التجسس والعمليات العسكرية.
4. الدعم الروسي والصيني
لدى إيران شركاء خارجيون يوفرون لها دعماً دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً.
5. سوء قراءة المجتمع الإيراني
يبدو أن افتراض أن الإيرانيين سينتفضون ضد حكومتهم استجابة لهجوم خارجي كان خاطئاً بصورة جوهرية.
إخفاق استخباراتي أم سياسي أم كلاهما؟
لم يكن هذا إخفاقاً استخباراتياً محضاً.
يمكن للاستخبارات تقدير الاحتمالات، لكنها لا تستطيع التنبؤ بصورة مؤكدة بكيفية استجابة مجتمع ما لصدمات خارجية.
لكن يبدو أن المجتمع الاستخباراتي قدم تقديرات مفرطة في التفاؤل، أو أن القادة السياسيين تجاوزوا تلك التقديرات عندما لم تتوافق مع أهدافهم.
الحكم التحليلي
يمثل فشل تغيير النظام مزيجاً من:
فشل استخباراتي — سوء قراءة المجتمع الإيراني.
فشل سياسي — استعداد نتنياهو لتصديق ما كان يريد تصديقه.
فشل استراتيجي — الافتراض الأساسي بأن الضغط الخارجي سيؤدي إلى انهيار داخلي.
المسؤولية موزعة، لكن القيادة السياسية تتحمل المسؤولية الأساسية عن القرار الاستراتيجي بخوض الحرب بناءً على هذه الافتراضات.
8. الاستخبارات الإيرانية ترد الضربة
تحولت المنافسة الاستخباراتية بين إسرائيل وإيران إلى حرب استنزاف يدعي فيها الطرفان تحقيق الانتصارات ويتكبدان فيها الخسائر.
القدرات الإيرانية
أظهرت إيران:
قدرات فعالة في مكافحة التجسس: إذ تشير الاعتقالات المتكررة للعملاء المزعومين للموساد إلى قدرة كبيرة.
المراقبة التقنية: أفادت تقارير بأن إيران تمكنت من تحديد قنوات الاتصال وأساليب التجنيد الإسرائيلية.
عمليات الخداع: من المحتمل أن إيران قامت بتمرير معلومات مضللة إلى الاستخبارات الإسرائيلية.
مكافحة التجسس: اعتقلت إيران وأعدمت جواسيس مزعومين، ما أدى إلى تعطيل شبكات إسرائيلية.
القدرات الإسرائيلية
أظهر الموساد:
تفوقاً تقنياً: ألحقت العمليات السيبرانية وأعمال التخريب أضراراً حقيقية.
قدرات استخبارات بشرية: رغم الاعتقالات، يواصل الموساد تجنيد عملاء داخل إيران.
إبداعاً عملياتياً: تم تنفيذ عمليات اغتيال وتخريب بارزة.
صراع يقوم على معرفة متبادلة
تحولت الحرب الاستخباراتية إلى منافسة يفهم فيها الطرفان بصورة متزايدة أساليب الآخر.
وهذا لا يعني أن أحد الطرفين «انتصر».
بل يعني أن المنافسة أصبحت أكثر صعوبة، وأكثر تكلفة، وأقل حسماً.
التقييم التحليلي
أظهرت إيران قدرتها على تحديد الشبكات الإسرائيلية وتفكيكها أو تحييدها.
وهذا لا يعني أن الموساد هُزم؛ بل يعني أن الحرب الاستخباراتية تحولت إلى صراع طويل الأمد، يصبح فيه تحويل النجاحات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية أكثر صعوبة.
9. انتصارات تكتيكية، وإخفاقات استراتيجية
هذا هو السؤال التحليلي المركزي:
هل نجح الموساد ضد إيران؟
الحجة المؤيدة للنجاح
نفذ الموساد، وفقاً للتقارير، عمليات عديدة داخل إيران، بما في ذلك اغتيال علماء نوويين وهجمات سيبرانية على منشآت نووية وأعمال تخريب في البنية التحتية للتخصيب.
عمّق الموساد في عهد برنياع «قدراته العملياتية في إيران وضدها».
حافظ الجهاز على وجود داخل إيران رغم جهود مكافحة التجسس الإيرانية.
تأخرت بعض الأهداف الاستراتيجية، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني.
الحجة المضادة
البرنامج النووي الإيراني لا يزال مستمراً.
البرنامج الصاروخي الإيراني توسع.
لا تزال القوى الحليفة لإيران في المنطقة ناشطة.
لم يحدث تغيير للنظام.
تعرضت الشبكات الاستخباراتية الإسرائيلية للكشف بصورة متكررة.
فشلت حرب 2025–2026 في تحقيق أهدافها المعلنة.
الحكم التحليلي
لم تتحول النجاحات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية.
وهذا هو النمط الذي يميز جانباً كبيراً من التاريخ الحديث للموساد: عمليات استعراضية تنتج عناوين كبيرة، لكنها لا تغير ميزان القوى الاستراتيجي.
قد يؤدي اغتيال علماء نوويين إيرانيين إلى تأخير البرنامج، لكنه لا ينهيه.
وقد يؤدي التخريب إلى تدمير أجهزة طرد مركزي، لكن إيران تعيد بناءها.
وقد تؤدي الهجمات السيبرانية إلى تعطيل أنظمة، لكن إيران تتكيف.
الفجوة بين البراعة التكتيكية والنتائج الاستراتيجية هي المشكلة المركزية للاستخبارات الإسرائيلية في السياق الإيراني.
10. هل يستطيع نتنياهو الإفلات من استحقاق الاستخبارات؟
هوية «السيد الأمن»
بُنيت الهوية السياسية لنتنياهو على صورة «السيد الأمن» — الزعيم الذي يحمي إسرائيل من أعدائها.
وكانت نجاحات الموساد جزءاً أساسياً من هذه الصورة.
اغتيال العلماء الإيرانيين، والهجمات السيبرانية، والعمليات السرية، كلها عززت صورته كزعيم أمني.
مشكلة الفشل
تهدد الإخفاقات الاستخباراتية هذه الهوية.
كان السابع من أكتوبر أكبر فشل أمني في تاريخ إسرائيل، وحدث خلال فترة حكم نتنياهو.
كما أن الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية ضد إيران، رغم حربين وعمليات سرية واسعة، يثير أسئلة حول فعالية سياساته الأمنية.
سؤال المساءلة
هل سيُحاسب نتنياهو؟
هناك عدة عوامل تعقد مسألة المساءلة:
سياسة الائتلاف: قد يحمي ائتلاف نتنياهو من التداعيات السياسية.
تأخر التحقيقات: كانت لجان التحقيق الرسمية بطيئة أو مقيدة سياسياً.
السيطرة على المعلومات: يسيطر رئيس الوزراء على الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية الحساسة.
نقل المسؤولية: قد تخدم إقالات مسؤولي الموساد في نقل اللوم من القيادة السياسية إلى المؤسسة الاستخباراتية.
التقييم التحليلي
يبدو أن إقالات كبار مسؤولي الموساد تهدف، جزئياً على الأقل، إلى خلق سردية عن فشل استخباراتي بدلاً من فشل سياسي.
ومن خلال إزالة مهندسي استراتيجية إيران، يستطيع نتنياهو وغوفمان القول إن المشكلة كانت في عدم الكفاءة العملياتية، وليس في سوء التقدير الاستراتيجي.
وهذه مناورة كلاسيكية لنقل المسؤولية.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر.
فكلما زاد تطهير الموساد من مسؤوليه، زاد التركيز على القرارات السياسية التي قامت عليها استراتيجية إيران.
وكلما جرى تسييس الجهاز أكثر، زاد خطر تراجع فعاليته المستقبلية.
هل يستطيع نتنياهو الاستمرار في تقديم نفسه باعتباره الحامي الأعلى لإسرائيل إذا كانت مؤسسات الاستخبارات التي تعمل تحت قيادته تتعرض مراراً لإخفاقات كبرى؟
تشير الأدلة إلى أنه يستطيع — في الوقت الراهن.
فائتلافه ما زال قائماً، وقاعدته السياسية لا تزال مخلصة، والمعارضة لم توحد صفوفها بعد لتشكيل تحدٍ فعال.
لكن الشقوق باتت واضحة.
11. ماذا سيحدث للموساد؟
قد تكون التداعيات المؤسسية للأزمة الحالية عميقة.
التجنيد والمعنويات
من المرجح أن تؤثر أجواء «الاضطراب والاختلال» التي تحدثت عنها هآرتس، إلى جانب التدخل السياسي غير المسبوق، في عملية التجنيد والمعنويات.
فأجهزة الاستخبارات تعتمد على ثقة أفرادها والتزامهم.
إذا اعتقد الضباط أنهم سيُستخدمون ككبش فداء للإخفاقات السياسية، فسيصبحون أكثر عزوفاً عن المخاطرة.
وإذا شعروا بأن الجهاز أصبح مسيساً، فسيفقدون الثقة بمهمته.
الشراكات الدولية
تقوم علاقات الموساد مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية — ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA — على الثقة.
وإذا اعتقد الشركاء الدوليون أن الموساد أصبح أداة سياسية بيد نتنياهو، فقد يحدون من تبادل المعلومات الاستخباراتية.
كما أن التقارير المتعلقة بتجسس إسرائيلي استهدف مسؤولين أميركيين كباراً، إذا صحت، قد تلحق مزيداً من الضرر بهذه العلاقات.
الأمن العملياتي
يخلق تطهير كبار المسؤولين مخاطر على الأمن العملياتي.
فالمسؤولون الذين تتم إقالتهم يمتلكون معرفة واسعة بالعمليات الجارية والمصادر والأساليب.
وحتى إذا ظلوا أوفياء، فإن اضطراب استمرارية القيادة يخلق نقاط ضعف.
التخطيط الاستراتيجي
قد تجبر الأزمة الموساد على إعادة تقييم افتراضاته الاستراتيجية.
ففشل خطة تغيير النظام، وإخفاقات استخبارات السابع من أكتوبر، وانكشاف الشبكات داخل إيران، كلها تشير إلى مشكلات أساسية في الطريقة التي يفهم بها الموساد خصومه.
التقييم التحليلي
يواجه الموساد أكثر من مجرد أزمة قيادة مؤقتة.
إنه يواجه أزمة مؤسسية في العقيدة والمساءلة والاستقلال السياسي والحكم الاستراتيجي.
الجهاز الذي كان يُفترض أن يرى كل شيء فوجئ مراراً.
والجهاز الذي كان يُفترض أن يكون بعيداً عن السياسة أصبح مسيساً بصورة علنية.
والجهاز الذي كان يُفترض أن ينتج مكاسب استراتيجية أنتج استعراضات تكتيكية.
12. أسطورة الموساد وأزمة المساءلة
الفجوة بين السمعة والأداء
إن السمعة الدولية للموساد باعتباره واحداً من أكثر أجهزة الاستخبارات كفاءة في العالم ليست بلا أساس.
فالجهاز يمتلك قدرات حقيقية، وله تاريخ من العمليات الاستثنائية، وثقافة تقوم على الجرأة والإبداع.
لكن السمعة يمكن أن تتحول إلى فخ.
فعندما يُعتقد أن جهازاً ما يمتلك معرفة مطلقة، تصبح إخفاقاته أكثر صدمة.
وعندما يُعتقد أن جهازاً ما لا يُقهر، تصبح نقاط ضعفه أكثر خطورة.
وعندما تخدم سمعة جهاز ما المصالح السياسية للقادة، يصبح لدى هؤلاء القادة مصلحة في الحفاظ على الأسطورة — حتى عندما لا يعود الواقع متطابقاً معها.
السرية والمساءلة
السرية ضرورية للعمل الاستخباراتي، لكنها تخلق أيضاً فجوة في المساءلة.
عندما تفشل العمليات، لا يستطيع الجمهور معرفة السبب.
وعندما تكون التقديرات خاطئة، لا يستطيع الجمهور معرفة من كان مسؤولاً.
وعندما يحرف القادة السياسيون المعلومات الاستخباراتية، لا يستطيع الجمهور معرفة القصة كاملة.
وهذا ليس دعوة إلى كشف المعلومات المصنفة سرية.
بل هو دعوة إلى آليات مؤسسية للمساءلة — رقابة مستقلة، ونزاهة مهنية، وثقافة تضع قول الحقيقة فوق الولاء.
أخلاقيات الحرب السرية
إن عمليات الموساد — الاغتيالات والتخريب والحرب السرية — لها عواقب بشرية.
فقتل العلماء الإيرانيين، والهجمات السيبرانية التي تعطل البنية التحتية المدنية، والعمليات السرية التي تعرض العملاء لخطر الإعدام، كلها تحمل وزناً أخلاقياً.
والسؤال ليس ما إذا كانت مثل هذه العمليات مبررة في أي وقت.
السؤال هو:
هل تخضع لتدقيق أخلاقي واستراتيجي صارم، أم يتم تنفيذها لأنها ممكنة تقنياً وملائمة سياسياً؟
التقييم التحليلي
جعلت السمعة الاستثنائية للموساد من الصعب على القادة السياسيين الإسرائيليين ووسائل الإعلام الدولية الاعتراف بإخفاقاته.
فعندما يُنظر إلى جهاز ما باعتباره الأفضل في العالم، يجري تفسير إخفاقاته باعتبارها استثناءات، بدلاً من الاعتراف بها كأعراض لمشكلات أعمق.
وهنا تكمن أزمة أسطورة الموساد:
لقد تحولت الأسطورة إلى درع ضد المساءلة.
13. التداعيات السياسية على نتنياهو
الثقة الشعبية
اهتزت ثقة الجمهور الإسرائيلي بالمؤسسة الأمنية بسبب السابع من أكتوبر.
ومن غير المرجح أن تؤدي الإخفاقات الاستخباراتية المستمرة والتسييس الظاهر للموساد إلى استعادة هذه الثقة.
لكن القاعدة السياسية لنتنياهو قد تبقى مخلصة له، معتبرة الإقالات عملية تنظيف ضرورية وليست محاولة لنقل المسؤولية.
انتقادات المعارضة
انتقدت المعارضة كلاً من الإخفاقات الاستخباراتية وتسييس الموساد.
لكن المعارضة منقسمة ولم تتمكن بعد من تشكيل تحدٍ سياسي فعال.
وقد توفر الإقالات ذخيرة سياسية لها، لكنها لا تشكل حتى الآن أزمة سياسية حقيقية بالنسبة لنتنياهو.
التحقيقات المستقبلية
قد يأتي التهديد الأكبر لنتنياهو من التحقيقات المستقبلية.
فإذا خلصت لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر أو حرب إيران إلى أن القيادة السياسية تتحمل المسؤولية الأساسية، فقد يواجه نتنياهو تداعيات سياسية.
وقد تكون الإقالات محاولة لاستباق مثل هذه النتائج عبر ترسيخ سردية تقوم على أن المشكلة كانت فشلاً استخباراتياً.
النظرة بعيدة المدى
حتى لو نجا نتنياهو سياسياً، فإن إرثه يعاد تشكيله.
صورة «السيد الأمن» تعرضت للتشويه.
فالزعيم الذي وعد بحماية إسرائيل من أعدائها ترأس أسوأ إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل، وفشل في تحقيق أهداف استراتيجية ضد إيران.
قد تحميه الإقالات على المدى القصير، لكنها لن تستطيع محو السجل التاريخي.
الخاتمة — عندما يصبح جهاز التجسس جزءاً من المشكلة السياسية
الموساد لا ينهار.
ولا يزال جهازاً استخباراتياً قادراً، يضم مهنيين ملتزمين، ويتمتع بمهارات عملياتية استثنائية، وله إنجازات مهمة.
لكنه يعيش أزمة — أزمة مصداقية، ومساءلة، واستقلال سياسي.
كان السؤال المركزي لهذا التحليل هو ما إذا كان الموساد يمر بأزمة مؤسسية، وما إذا كان نتنياهو يحاول نقل المسؤولية إلى المؤسسة الاستخباراتية.
وتدعم الأدلة كلا الطرحين — مع بعض التحفظات المهمة.
نعم، الموساد في أزمة.
فإخفاقات السابع من أكتوبر، وانكشاف الشبكات داخل إيران، وفشل استراتيجية تغيير النظام، والتدخل السياسي غير المسبوق في تعيينات القيادة، كلها تشير إلى جهاز يواجه ضغوطاً استثنائية.
وهذه ليست مجرد أزمة قيادة مؤقتة؛ إنها أزمة في العقيدة والمساءلة والحكم الاستراتيجي.
ونعم، يبدو أن نتنياهو ينقل المسؤولية.
فتعيين غوفمان رغم معارضة برنياع، وإقالة كبار المسؤولين المرتبطين باستراتيجية إيران، وتوقيت هذه التحركات، كلها تشير إلى محاولة لخلق سردية عن فشل استخباراتي تحمي القيادة السياسية.
وهذا ليس اتهاماً؛ بل استنتاج مبني على وقائع موثقة وتقارير ذات مصداقية.
لكن الوضع أكثر تعقيداً من مجرد نقل المسؤولية.
فاستراتيجية إيران لم تكن نتاج نتنياهو وحده.
لقد كان مسؤولو الموساد — بمن فيهم برنياع، ونائب المدير «أ.»، والمسؤولان اللذان أقيلا في أغسطس/آب 2026 — من مهندسي خطة تغيير النظام.
وهم يتحملون مسؤولية تقديراتهم وتوصياتهم.
كما أن التمييز بين الفشل الاستخباراتي والفشل السياسي ليس واضحاً دائماً، وفي هذه الحالة، كلاهما حاضر.
لكن السؤال الأعمق هو:
ماذا يحدث لجهاز استخبارات عندما تصبح سمعته في امتلاك معرفة مطلقة أقوى من قدرته على نقد ذاته، وعندما تكون لدى القادة السياسيين مصلحة في الحفاظ على هذه الأسطورة؟
الإجابة تتكشف أمام أعيننا في الوقت الحقيقي.
قد يخرج الموساد من هذه الأزمة أكثر حذراً، وأكثر خضوعاً للمساءلة، وأكثر واقعية بشأن حدوده.
أو قد يصبح أكثر تسييساً، وأكثر عرضة للاختراق، وأكثر انفصالاً عن الحقائق الاستراتيجية التي يفترض أن يخدمها.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن أن تكون المخاطر أعلى من ذلك.
فجهاز استخبارات لا يستطيع أن يرى بوضوح، ولا يستطيع أن يقول الحقيقة لأصحاب السلطة، ولا يستطيع أن يتعلم من الفشل، ليس أصلاً استراتيجياً — بل عبء.